لها من مؤثّر موجود موصوف بأمثال تلك الأحوال والصفات ، فإنّ مفيض العلم على العلماء لا بدّ وأن يكون عالما ، ومفيض الحياة على الأحياء لا بدّ وأن يكون حيّا ، وهكذا في سائر الصفات .
فبهذا الطريق علمنا أنّ ربّنا موجود حيّ عالم قادر ، فكلّما زاد علمنا بأنفسنا بوجدان صفة كمال فينا ، زاد علمنا بربّنا لدلالته على اتّصافه بمثل تلك الصفة الكمالية .
وأمّا أنّ كلّما زاد علمنا بربّنا زاد علمنا بأنفسنا ، فذلك غير لازم ؛ إذ لا دليل عليه ولا طريق إليه ، فإنّ علمنا بعلمه وقدرته وإرادته لا يلزم منه ، إلّا أنّ له معلوما مقدورا مرادا ، ولا يزيد من ذلك علمنا بأنفسنا ، بأن نعلم منه أنّ لنا علما وقدرة وإرادة ، بل لا يمكننا العلم بصفات ربّنا ، إلّا من جهة ما نجده فينا من الصفات .
قال المحقّق الدواني خلّدت إفاداته : إنّ التكليف إنّما يتوقّف على معرفة اللّه تعالى بحسب الوسع والطاقة ، وإنّما كلّفوا أن يعرفوه بالصفات التي ألفوها وشاهدوها فيهم مع سلب النقائص الناشئة عن انتسابها إليهم .
ولمّا كان الإنسان واجبا بغيره عالما قادرا مريدا حيّا متكلّما سميعا بصيرا ، كلّف بأن يعتقد تلك الصفات في حقّه تعالى مع سلب النقائص الناشئة عن انتسابها إلى الإنسان ، بأن يعتقد أنّه تعالى واجب لذاته لا بغيره ، عالم بجميع المعلومات ، قادر على جميع الممكنات ، وهكذا في سائر الصفات ، ولم يكلّف باعتقاد صفة له تعالى لا يوجد فيه مثالها ومناسبها بوجه ، ولو كلّف لما أمكنه تعقّله بالحقيقة . وهذا أحد معاني قوله عليه السّلام « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » « 1 » . إنتهى كلامه .
هامش
( 1 ) رسالة إثبات الواجب الجديدة للدواني ص 159 طبع ميراث مكتوب .