تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسائل الإعتقادية ( ط الثانية ) — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
بربّه ؛ لأنّ علمه حينئذ بآثار ربّه الكائنة في نفسه الدالّة على وجود مبدأ الآثار وصفاته الموجبة لها أكثر من عمرو . ومن المقرّر أنّ العلم بالمعلول بما هو معلول ملزوم للعلم بالعلّة بما هو علّة ، فكلّ ما زاد زاد ، فإنّ وجود المعلول وما له من الصفات الكمالية إنّما هو من العلّة ، فالعلم بوجوده من حيث الانتساب إليها يستلزم العلم بوجودها ؛ إذ لو لم يكن لها وجود لم يكن له منها وجود ، ولو لم يكن لها حياة لما كانت له منها حياة ، ولو لم يكن لها علم لم يكن له منها علم ، وهكذا . فإذا لاحظنا المعلول وما له من الصفات ، ووجدناه موجودا حيّا عالما قادرا وغيرها من الأحوال والآثار ، علمنا أنّ علّته موجودة حيّة عالمة قادرة ، وإلّا لم يتصوّر أن يستفاد منها عليه تلك الصفات . ولو لم يكن هذا عند العقل أوّليا ، لم يكن عنده أولى ، فإذا علمنا أنّ للنفس صفات ثبوتية وسلبية ، يستفاد من العلم بها العلم بصفات الربّ كذلك . فإنّ تدبيرها في البدن دلّ على تدبيره في العالم ، ووحدانيتها على وحدانيته ، وتحريكها للجسم على قدرته ، واطّلاعها على الجسد على علمه ، واستيلاءها على الأعضاء على استيلائه على خلقه ، وتقديمها عليه وبقاءها بعده على أزليته وأبديته ، وعدم العلم بكيفيتها على عدم الإحاطة به ، وعدم العلم بمحلّها من الجسد على تجرّده ، وعدم مسّها على امتناع مسّه ، وعدم إبصارها على استحالة رؤيته . وهكذا كلّما زاد العلم بها زاد العلم بها ؛ لأنّ تزايد العلم بالأدلّة الأنفسية ملزوم لتزايد العلم بما هي أدلّة عليه ، كما أنّ تزايد العلم بالأدلّة الآفاقية كذلك . فإنّ وجود العالم بعد عدمه وتألّفه في ذاته يدلّ على وجود موجود بذاته ، ومؤلّف يوجده ويؤلّفه والإحكام والإتقان على علمه .