تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسائل الإعتقادية ( ط الثانية ) — صفحة 46

مساهمون:

ص٤٦
ولا يخفى أنّ ما ذكره في مقام شرح الحديث وبيان معناه لا يرد عليه ما عليه الدهري ؛ لأنّه أخذ فيه الإضافة بين الجاعل والمجعول ، والإضافة قائمة بالطرفين لا يتحقّق بدونهما . فالعلم بالنفس من حيث إنّها مجعولة مصنوعة مخلوقة مربوبة ، يستلزم العلم بالجاعل والصانع والخالق والربّ ، وكذا صفاتها من حيث إنّها مجعولة فيها يستلزم العلم بالجاعل ، وباتّصافه بأمثال تلك الصفات كما سبق ، وإنّما تخلّف في الدهري لأنّه لم يأخذها كذلك ، كما عرفت فيما سلف . ومن الغريب أنّه قدّس سرّه جعل العلم بأحوال النفس وصفاتها من فروع العلم بأحوال من جعلها على هذه الصفات ، والعلم بالفرع من حيث إنّه فرع يستلزم العلم بأصله الذي يستند إليه ويتفرّع عليه . ومع ذلك جعل ما عليه الدهري من العلم بنفسه دون العلم بربّه مادّة للنقض ، ولم يتفطّن أنّ علمه بنفسه ليس مطابقا للأمر نفسه ، وإلّا لكان مستلزما للعلم بأصله ، ضرورة امتناع انفكاك الفرع عن الأصل ، فعدم علمه بأصله مع علمه بفرعه دليل على أنّه لم يعرفه من حيث إنّه فرع ، وهذا غلط ومنه جهل ، فهو كما لم يعرف أصله لم يعرف فرعه ، ونعم ما قيل بالفارسية :
اى وجود تو أصل هر موجود * هستى وبوده‌اى وخواهى بود
مع أنّ جوابه فيه ما لا يخفى ؛ لأنّ تزايد العلم بأحد الأمرين كما يقتضي تزايد العلم بالآخر ، كذلك أصل العلم بأحدهما يقتضي العلم بالآخر ، وإلّا لانتفى الاقتضاء الأوّل ، ضرورة أنّ أصل العلم بأحدهما لو لم يقتض العلم بالآخر لم يقتض التزايد في أحدهما التزايد في الآخر . وعلى هذا فمن علم نفسه موجودا ، وجب أن يعلم ربّه موجودا ، وليس كذلك كما في الدهري .