فمن تفكّر في خلق القمر مثلا ونضد أفلاكه وعدمها ، وما يلزم من حركاتها وربط ما ربط به من مصالح العالم السفلي تفكّر استدلال واعتبار ، فهو أعلم بربّه ممّن لم يتفكّر فيه هذا التفكّر ، فبقدر تفاوتهم في العلم بأحواله يتفاوت علمهم بربّهم ، وعلى العلم بما في الآفاق .
فقس العلم بما في الأنفس ، فإنّ من تأمّل في نفسه وما خلق فيها من نفس طبيعية ونباتية ، وخوادمها من جاذبة وماسكة وهاضمة ودافعة ومميّزة ومصوّرة ومولّدة ومنمية ، ومن نفس حيوانية وما لها من القوى المدركة والمحرّكة ومنافعها ومواضعها وكيفية خلقها وهيئاتها وارتباطاتها ، إلى غير ذلك ممّا شرح في التشريح ، تأمّل استدلال واعتبار ، يتحيّر فيه ويقول : فتبارك اللّه أحسن الخالقين ، فهو أعلم بربّه ممّن لم يتأمّل فيها هذا التأمّل .
ولذلك قيل : من لم يعرف الهيئة والتشريح ، فهو عنين في المعرفة ، فبالأوّل تكمل الأدلّة الآفاقية ، وبالثاني الأنفسية .
ولا يرد هنا النقض بما عليه الدهري ؛ إذ لا علم له أصلا لا بالعالم وأحواله ، ولا بالنفس وأحوالها ، بأنّها لم تكن ثمّ كانت ، فلا بدّ لها من علّة موجدة موجودة خارجة عن حيّز الامكان ، ضرورة بطلان الأوّلية الذاتية والخارجية والدور والتسلسل ، ولذلك لم يعلم بعلمه بهما ربّه ؛ لأنّه غير مطابق للواقع .
فإنّ مجرّد العلم بأنّه موجود حيّ عالم قادر من غير أن يضاف إليه العلم بأنّه وجود مسبوق بالعدم ، فلا بدّ له من علّة ليس من العلم بنفسه في شيء ، بل هو جهل مركّب ، فإنّ نفسه موجودة كذائية لا موجودة مطلقة .
وحجّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله على الدهرية مبنية على ذلك ؛ إذ قال لهم : فهذه التي يشاهد من الأشياء بعضها إلى بعض مفتقر ؛ لأنّه لا قوام للبعض إلّا بما يتّصل به ، كما
الرسائل الإعتقادية ( ط الثانية ) — صفحة 41
مساهمون: السيد مهدي الرجائي
ص٤١