تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسائل الإعتقادية ( ط الثانية ) — صفحة 42

مساهمون:

ص٤٢
ترى البناء محتاجا بعض أجزائه إلى بعض ، وإلّا لم يتّسق ولم يستحكم ، وكذلك سائر ما ترى . فإذا كان هذا المحتاج بعضه إلى بعض بقوامه وتمامه هو القديم ، فأخبروني لو كان محدثا كيف وما ذا كانت تكون صفته ؟ دلّ على أنّ الدهرية كانوا يقولون بأنّ هذا العالم المحسوس الذي نشاهده قديم بالذات ، مستغن عن المؤثّر ، فاحتجّ عليهم بأنّه مؤلّف مركّب ذو أجزاء يحتاج بعضها بقوامه وتمامه إلى بعض ، والمحتاج في تحقّق حقيقته ووجوده إلى الغير لا يكون قديما مستغن عن المؤثّر ، فدلّ على المنافاة بين الحاجة والقدم ، فلا بدّ من حمله على الذاتي ؛ إذ الزماني لا ينافيه الحاجة . وإذ قد بطل كونه قديما ، ثبت كونه حادثا ، وكلّ حادث ذاتيا أم زمانيا لا بدّ له من مؤثّر موجود ، فمن عرف نفسه بالحدوث والامكان ، عرف أنّ لها موجدا موجودا واجب الوجود ، وهذا الدهري لمّا لم يعرفها كذلك لم يعرف بمعرفتها هذه ربّه ، فلكون علمه هذا غير مطابق للأمر نفسه لم يلزمه العلم بربّه ، والمراد هنا أنّ من علم نفسه بالعلم المطابق للواقع علم به ربّه كذلك . وبالجملة العلم بالنفس وأحوالها إذا كان على نحو يطابق الواقع ، كان ملزوما للعلم بالربّ وأحواله ، ولذلك كلّما يزيد هذا ذاك ، ضرورة امتناع انفكاك اللازم عن الملزوم ، ولهذا ورد في خبر آخر « من عرف نفسه فقد عرف ربّه » « 1 » ولم يقل أحد إنّه ينتقض بما عليه الدهري ؛ لأنّه كما سبق لم يعرف نفسه فلم يعرف ربّه ، والنقض إنّما يتحقّق إذا عرف ولم يعرف ، فتأمّل . واعلم أنّا لمّا وجدنا في أنفسنا أحوالا وصفاتا ممكنة محدثة ، علمنا أنّها لا بدّ
هامش
( 1 ) بحار الأنوار 2 : 32 .