بالحجّة ، بأن ألزمه أنّ جملة ما صدر عنه لم يكن هو مستقلا بها متمكّنا من تركها ، بل كانت أمرا مقضيا .
ولا يخفى أنّ هذه حجّة بالغة للكفّار والعصاة على اللّه يوم القيامة ؛ إذ لهم أن يقولوا : يا ربّ أرسلت إلينا رسلا ، ولكنّك منعتنا بقضائك وقدرك اتّباعهم ، فتكون للناس على اللّه حجّة بعد الرسل .
إنّما « 1 » يتمّ إذا كانت قدرته وإرادته مستندتين إليه ، كما نبّه عليه السّلام عليه .
وأمّا إذا كانتا مستندتين إلى اللّه تعالى كفعله على ما زعموه ، لكونهما من الممكنات المستندة إليه تعالى من غير واسطة ، فلا يتوجّه تكليف إليه ، ولا يصحّ الوعد والوعيد عليه ؛ لأنّه والحال هذه كآلة في يد غيره ، فلا مدخل له في الفعل والترك إلّا كمدخلية تلك الآلة ، وبهذا القدر لا يتصحّح الثواب والعقاب ، ولا يتّجه إليه الخطاب بالعتاب .
وقولهم بأنّ هذا إنّما يرد على القائل بالحسن والقبح العقليين ؛ إذ يقبح عقلا إيصال العذاب إلى من لم يفعل شيئا بالاختيار وكان مضطرّا فيه ، وأمّا من لم يقل بهما فلا ؛ لأنّ ما سوى اللّه ملكه يتصرّف فيه ما يشاء بما يشاء ، فله أن يثيب أو يعاقب من يشاء كيف يشاء ، حتّى لو أدخل الأبرار في الجحيم والفجّار في النعيم ، لم يكن ذلك قبيحا ، بل القبيح ما اعتبره قبيحا ، والحسن ما اعتبره حسنا ، فما فعله ليس فيه قبح .
مدفوع بأنّ إرسال الرسل ، وإنزال الكتب في الدنيا ، ونشر الصحائف ، وإحضار الأنبياء والشهداء في العقبى ، يكون على هذا التقدير عبثا ؛ إذ لا فائدة في ذلك إلّا
هامش
( 1 ) هذا خبر « إنّ » في قوله « فإنّه مع كونه خلاف العقل والنقل » « منه » .