كلّفه ، فمتى أخذه منه وضع تكليفه عنه ؛ إذ لا يتصوّر من عاقل فضلا عن حكيم كامل أن يكلّف من لا سبيل له إلى الاتيان بما كلّف به ، ففيه نوع إيماء إلى بطلان القول بجواز التكليف بما لا يطاق .
فظهر أنّ حصر الحول والقوّة فيه تعالى باعتبار أصل التمليك والتمكين ، وإلّا فللعبد حول وقوّة بحوله وقوّته وإقداره وتمكينه ، وهو الظاهر من قولهم « إلّا باللّه » .
وإلى هذا الأصل يرجع قولهم « بحول اللّه وقوّته أقوم وأقعد » فهو من العبد شكر وإظهار لما أنعمه اللّه عليه ، ليزيده فوق المزيد ، ويعينه على فعل ما يريد ، والإضافة تكفيها ملابسة ما ، فكيف بالملابسة التامّة ، فلا جبر لتملّكه ، ولا تفويض لتمليكه ، وقدرته على أخذ ما ملكه لكونه أملك به منه ، فالمراد أنّه لا حول ولا قوّة لولا حول اللّه وقوّته وتمليكه وتمكينه .
فالمؤثّر بالذات لا يكون إلّا الواجب بالذات ؛ لأنّ الحول والقوّة حيثما كانت ، كانت فائضة من مبدأ الفيّاض ، وهو الذي أعطى كلّ شيء خلقه ثمّ هدى ، والآثار كلّها تابعة للوجود ، وهو تابع للمهية ، وهي تابعة لجاعلها ، خارجة به من الليس إلى الأيس .
فالحيات والآلات ، بل كلّ ما يتوقّف عليه وجود المعلولات من الأفاعيل والحركات فائضة من مبدأ الموجودات ، إلّا أنّه بعد ما ملكه العبد ومنحه إيّاه كلّفه بمقتضاه ليستحقّ به التعظيم ، ويفوز بالنعيم المقيم ، فالأسباب البعيدة كلّها منه تعالى بلا اختيار من العبد ، والقريبة من التخيّل والتفكّر والإرادة .
وبالجملة ما به يختار أحد طرفي الفعل والترك منه باختياره بعد تملّكه وتمكّنه ، ومنهما يصدر عنه الفعل ، إلّا أنّ تأثير العلّة البعيدة لا يصل إلى المعلول فضلا عن كونها تامّة في إيجاده ، وإنّما الواصل إليه تأثير العلّة القريبة ؛ لأنّه الصادر عنها لا
الرسائل الإعتقادية ( ط الثانية ) — صفحة 421
مساهمون: السيد مهدي الرجائي
ص٤٢١