قال الفخر الرازي وهو إمام الجبرية وقدوتهم : حال هذه المسألة عجيبة ، فإنّ الناس كانوا فيها مختلفين أبدا ، بسبب أنّ ما يمكن الرجوع إليه فيها متعارضة ، فمعوّل الجبرية على أنّه لا بدّ لترجيح الفعل على الترك من مرجّح ليس من العبد ، ومعوّل القدرية على أنّ العبد لو لم يكن قادرا على فعله لما حسن المدح والذمّ والأمر والنهي ، وهما مقدّمتان بديهيتان .
ثمّ من الدلائل العقلية اعتماد الجبرية على أنّ تفاصيل أحوال الأفعال غير معلومة للعبد ، واعتماد القدرية على أنّ أفعال العباد واقعة على وفق قصورهم ودواعيهم ، وهما متعارضان .
أقول : القول بالجبر لمّا استلزم عدم فائدة الأمر والنهي ، والمحمدة والمذمّة ، والوعد والوعيد ، وإنزال الكتب وإرسال الرسل ، وبطلان الثواب والعقاب ، وعدم الفرق بين الكفر والإيمان ، والشكر والكفران ، وكلمة التوحيد والهذيان ، إلى غير ذلك .
فإنّه إنّما يتصوّر بعد أن كانت صدور هذه الأفعال عن مصدرها على سبيل القدرة والاختيار دون الجبر والاضطرار ، بل القول به يخالف بديهة العقل ؛ إذ الضرورة قاضية باستناد أفعالنا إلينا . علم بالضرورة أنّ ما دلّ على صحّته شبهة فاسدة : إمّا مادّة ، أو صورة ، وإن لم يكن لنا علم بفساد إحداهما بخصوصها ، ولا قدرة على ردّها ، فإنّ الشبهة في الضروريات لا يلتفت إليها ولا يجاب عنها .
مثلا لمّا كان حدوث العالم من ضروريات الدين ، لانعقاد الإجماع عليه من الملّيين ، وصراحة الأخبار المتواترة عن المعصومين ، علمنا أنّ شبهة القدم وما يدلّ عليه بأقلّ لا يلتفت إليه ، سواء قدرنا على ردّها والجواب عنها أم لا ، وله نظائر .
الرسائل الإعتقادية ( ط الثانية ) — صفحة 417
مساهمون: السيد مهدي الرجائي
ص٤١٧