ما فيه المفسدة والمضرّة ، وظاهر أنّ ذلك في صورة الجبر وعدم تأثير الاختيار والإرادة سفه وعبث ، تعالى اللّه ربّنا عن ذلك .
ولذلك أثبت عليه السّلام لنا قدرة مؤثّرة في نفسها ، إلّا أنّه نفى عنها التأثير في جنب قدرة اللّه القادر ، فلا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين .
واعلم أنّ حاصل معنى الجبر على ما ذهب إليه الجهمية يرجع إلى أنّ جميع أفعال العباد من الخير والشرّ والحسن والقبح مستند إليه تعالى ، من غير أن يكون لقدرتهم مدخل في أفعالهم أصلا حتّى بطريق الكسب .
وأمّا جمهور الأشاعرة ، فإنّهم يثبتون لهم كسبا ويقولون : إنّ تعلّق قدرتهم وإرادتهم سبب عادي لخلق اللّه تعالى الفعل فيهم ، من غير أن يكون منهم تأثيرا ومدخل في وجوده ، غير كونهم محالا ومظاهر له ، وهذا يستلزم نسبة الظلم إلى اللّه ، تعالى عن ذلك ، وسيأتي في ذلك كلام أبسط .
وحاصل معنى التفويض يرجع إلى أنّ اللّه عزّ وجلّ بعد أن خلق الإنسان وجوارحه وقواه ، وأرسل إليه الرسل مبشّرين ومنذرين ليبيّنوا له النجدين بالوعد والوعيد ، سلّم إليه أمره في أفعاله الحسنة والقبيحة ، فهو مستقلّ فيها .
فهم ينكرون أن يكون للّه تعالى صنع في أفعال عباده بالتوفيق والخذلان ، حتّى أنّ بعضهم يقولون : إنّه تعالى لا يقدر على منعهم وصرفهم عن أفعالهم ، بل لا يقدر على إيجاد ما هو مقدور لهم ، وهذا وهن في سلطانه تعالى ، ومناف لقوله :
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
« 1 » .
وحاصل معنى الأمر بين الأمرين يرجع إلى هداية اللّه ولطفه بالنسبة إلى بعض ،
هامش
( 1 ) سورة الإنسان : 30 ، والتكوير : 29 .