وتركها بالنسبة إلى آخر ، بحيث لا يصل إلى حدّ الإلجاء والجبر في شيء منهما .
مثلا يأمر عبده بأمر ، ويعده على فعله ، ويوعده على تركه ، ويمكن صدور الفعل منه ، فقد تمّم الحجّة ولم يبق العذر ، ثمّ بعد ذلك يلاطف بزيادة الوعد والإيعاد ويتأكّد الأمر السابق ، إلى غير ذلك من الملاطفات ، وإذا لم يفعل تلك الألطاف لا يفعله وتقديرها يفعله ، فليس في تركها إلجاء .
وفي الكافي : عن أبي طالب القمّي ، قال : قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام : أجبر اللّه العباد على المعاصي ؟ قال : لا ، قلت : ففوّض إليهم الأمر ؟ قال : لا ، قلت : فما ذا ؟ قال : لطف من ربّك بين ذلك « 1 » .
وذكر عند أبي الحسن الرضا عليه السّلام الجبر والتفويض ، فقال : ألا أعطيكم في هذا أصلا لا تختلفون فيه ، ولا يخاصمكم عليه أحد إلّا كسرتموه ؟ قيل : إن رأيت ذلك ، فقال : إنّ اللّه تعالى لم يطع بإكراه ، ولم يعص بغلبة ، ولم يهمل العباد في ملكه ، هو المالك لما ملكهم ، والقادر على ما أقدرهم عليه ، فإن ائتمر العباد بطاعته لم يكن اللّه عنها صادّا ولا منها مانعا ، وإن ائتمروا بمعصيته ، فشاء أن يحول بينهم وبين ذلك فعل ، وإن لم يحل وفعلوه فليس هو الذي أدخلهم فيه ، ثمّ قال عليه السّلام : من يضبط حدود هذا الكلام فقد خصم من خالفه « 2 » .
وقد تكون للّه تعالى بالنسبة إلى بعض عباده زيادة ألطاف وعنايات تعينهم على ترك المعصية وفعل الطاعة ، كما تشهد بذلك حال الأنبياء والأوصياء عليهم السّلام ، ولا سيّما أولوا العزم منهم ، فإنّ اعتناءه تعالى بشأنهم من بدو فطرتهم إلى وقت رحلتهم كان ظاهرا .
هامش
( 1 ) أصول الكافي 1 : 159 ح 8 .
( 2 ) التوحيد للشيخ الصدوق ص 361 ح 7 .