قوله :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
فقال : ما يقولون ؟ قلت : يقولون يهلك كلّ شيء إلّا وجه اللّه ، فقال : سبحان اللّه لقد قالوا قولا عظيما ، إنّما عني بذلك وجه اللّه الذي يؤتى منه « 1 » .
قيل : لمّا كان مرادهم فناء كلّ شيء غير ذاته ، فاستعظمه وأنكره عليه السّلام ؛ إذ من المخلوقات ما لا يفنى . وهو بعيد ؛ لأنّ الظاهر من الآية على ما فسّره الإمام عليه السّلام أنّ أهل كلّ مذهب من المذاهب الباطلة هالك إلّا أهل مذهب الحقّ ، وهم الذين توجّهوا إلى اللّه بإرشاد الأنبياء والأوصياء عليهم السّلام ، فإنّهم وجه اللّه الذي من توجّه إليه توجّه إلى اللّه ، وصار من أهل النجاة .
فالمراد بالهلاك ما يقابل النجاة ، كما يقال : فرقة ناجية ، وفرقة هالكة ، لا ما يقابل الحياة وهو الموت ، وعلى هذا فلا دلالة في الآية على بقاء شيء ولا على فنائه . وأمّا وصفه عليه السّلام قولهم بالعظم ، فالظاهر أنّه لإثباتهم له سبحانه وجها كوجوه البشر ، ومن قال ذلك فقد كفر ، واللّه تعالى أعلم وأبصر .
قاعدة فيها فائدة
لمّا كانت الدراية مقدّمة على الرواية ، فمتى ورد عليك قولان متناقضان وحكمان متنافيان ، فأعرضهما على قانون عقلي ، وزنهما بميزانه ، فإنّه المتكفّل والحاكم في النقليات « 2 » لاحتياجه إليه وانتهائه بالآخرة إليه ، فما وافق منهما حكما عقليا وبرهانا يقينيا ، فاعتقده ودن به ، وأوّل الآخر إليه .
هامش
( 1 ) أصول الكافي 1 : 143 ح 1 .
( 2 ) إذ لا بدّ من معرفة صدق النقل بدليل عقلي « منه » .