أقول : لا وجه لهذا التخصيص ، فإنّه كما لا ينافي أبديتهما ، كذلك لا ينافي أبدية النار وأهلها ، وأبدية النفوس الناطقة مطلقا من الجنّ والإنس وغيرهما .
الوجه الثالث : أن يكون المراد بالأوّلية العلّية ، أي : هو علّة العلل ومبدأ المبادئ ، وبالآخرية الغائية ، أي : هو غاية الغايات كما هو مصطلح الحكماء ، أو هو منتهى سلسلة العلل ذهنا ، فإنّك إذا فتّشت عن علّة شيء ، ثمّ عن علّة علّته وهكذا ، ينتهي بالآخرة إليه تعالى ، فعلى هذا الوجه يكون أوّليته تعالى عين آخريته وتختلفان بالاعتبار .
الوجه الرابع : أنّه مبدأ سلوك العارف ومنتهاه ، فإنّ بتوفيقه يبتدأ وإليه ينتهي ؛ إذ أنّه أوّل الأشياء معرفة وأظهرها ، ومنتهى مراتب الكمال بالنظر إلى كلّ استعداد وقابلية . وقيل : هو الأوّل بإحسانه ، والآخر بغفرانه « 1 » . هذا .
وأمّا ما قيل في الجواب عن كريمة :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
بعد أن أورد عليه بأنّ الجنّة والنار دائمتان وأهاليهما ، فكيف يصحّ كلّ شيء هالك ؟ من أنّ في الكلام محذوفا ، تقديره : كلّ شيء حيّ هالك ؛ لأنّ الجنّة والنار ليستا بحيّتين .
ثمّ قال : فإن قلت بأيّ دليل قدّرت ؟
قلت : بقرينة « هالك » لأنّ الهلاك لا يوصف به إلّا الحيّ .
ففيه أنّ هذا الجواب لا يدفع كلا جزئي السؤال « 2 » ؛ لأنّ أهاليهما أحياء ، وبعضهم يخصّصها من آية الهلاك جمعا بين الأدلّة .
هامش
( 1 ) الفرائد الطريفة ص 112 - 113 .
( 2 ) لأنّه بمعنى الموت ، وهو لا يوصف به إلّا الحيّ ؛ لأنّه عدم الحياة عمّا من شأنه أن يكون حيّا ، وفيه خلاف المشهور « منه » .