فلنرجع إلى ما كنّا فيه ، فنقول : وفي الكافي : عن علي أمير المؤمنين عليه السّلام ، أنّه قال لحبّة العرني بعد أن سأله عن أرواح المؤمنين : لو كشف لك لرأيتهم حلقا حلقا محتبين يتحادثون ، فقال : أجسام أم أرواح ؟ فقال : أرواح ، وما من مؤمن يموت في بقعة من بقاع الأرض إلّا قيل لروحه : ألحقي بوادي السلام ، وإنّها لبقعة من جنّة عدن « 1 » . وهذا يدلّ على أنّ الأبدان المثالية المتعلّقة بها النفوس ما دامت في عالم البرزخ ليست في كثافة المادّيات ، ولا في لطافة المجرّدات ، بل هي ذوات جهتين وواسطة بين العالمين ، ولذلك نفوا عنها الجسمية ، وأثبتوا لها بعض لوازمها ، كالأكل والشرب والحلقة ، والتحدّث والتعارف في الجوّ والتلاقي فيه ، والتحاق بعضهم ببعض ، وما أشبه ذلك .
فقوله « أرواح » يعني : إنّها أرواح متعلّقة بأشباح مثالية ، ولذلك يقال لروحه :
ألحقي بوادي السلام ، وإلّا فالمجرّد لامكان له ولا انتقال من بقعة إلى بقعة ، اللّهمّ إلّا أن تكون الروح جسما روحانيا سماويا ، كما ذهب إليه طائفة من المسلمين وأكثر النصارى .
وفي التهذيب : عن مروان بن مسلم ، عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام ، قال : قلت له :
إنّ أخي ببغداد وأخاف أن يموت بها ، قال : ما يبالي حيث ما مات ، إنّه لا يبقى مؤمن في شرق الأرض وغربها إلّا حشر اللّه روحه إلى وادي السلام ، قال : وهو ظهر الكوفة ، كأنّي بهم حلق حلق قعودا يتحدّثون « 2 » .
هذا طرف من الروايات الدالّة على بقاء النفوس بعد خراب أبدانها ، وبعضها
هامش
( 1 ) فروع الكافي 3 : 243 ح 1 .
( 2 ) تهذيب الأحكام 1 : 466 ، فروع الكافي 3 : 243 ح 2 .