تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسائل الإعتقادية ( ط الثانية ) — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨
ويظهر منه ومن نظائره أنّهم عليهم السّلام كانوا يشاهدون أهل البرزخ وما هم فيه من الثواب والعقاب ، وإنّما حجبوا عن أبصارنا لضرب من المصلحة ، أو لئلّا يختلّ أمر التكليف ، ولذا رأته البغلة فنفرت ، وقد أخفى اللّه شخصه عن سائر أفراد المكلّفين . هذا ، وقال عليه السّلام : إنّ الأرواح لا تمازج البدن ولا تداخله ، وإنّما هي كلل للبدن محيطة به « 1 » . يعني : إحاطة التدبير والتصرّف كإحاطة الملك بممالكه ، والكلل محرّكة : الحاكم . فيه ردّ صريح على النظّام وابن الراوندي وغيرهما من منكري تجرّدها ، فيدلّ على أنّها ليست قوّة جسمانية حالّة في المادّة ولا جسما ، بل هي لا مكانية لا تقبل إشارة حسّية ، وإنّما تعلّقها بالبدن تعلّق التدبير والتصرّف من غير أن تكون داخلة فيه بأجزائه أو الحلول . وهذا مذهب الفلاسفة من المتقدّمين والمتأخّرين ، ووافقهم على ذلك كثير من المسلمين ، كالغزالي ، والراغب الأصفهاني ، والمحقّق الطوسي ، وغيرهم ، وجمع من الصوفية . وخالفهم فيه الجمهور ، بناء على نفيهم المجرّدات مطلقا ، عقولا كانت أو نفوسا ، قائلين بأنّها لو وجدت لشاركت الواجب في التجرّد ، ولزم تركّب ذاته من الأمر المشترك وممّا به يمتاز عنه ، وهو محال . وفساده ظاهر ؛ لأنّ المشاركة في الأعراض ، ولا سيّما في السلوب والإضافات ، لا يقتضي التركيب في الذات . وفي كتاب توحيد المفضّل بن عمر المنقول عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام ، في الردّ على الدهرية ، قال عليه السّلام بعد أن ذكر اللّه عزّ وجلّ والعجز عن أن يدرك : فإن قالوا : ولم استتر ؟ قيل لهم : ما يستتر بحيلة يخلص إليها ، كمن يحتجب عن الناس
هامش
( 1 ) بحار الأنوار 61 : 40 ، بصائر الدرجات ص 463 .