فلهم أن ينقضوا هذا الدليل بقصّة العهد والميثاق ، ويقولون : لا واقعة أعظم من هذه الواقعة ، ولا محفل أجمع من هذا المحفل الذي جمع فيه الخلائق أجمعين ، ولا يجد أحد منهم من نفسه تذكّر شيء من هذه الواقعة أصلا ، بل ينكره غاية الانكار .
وأمّا ادّعاء بعض المتصوّفة تذكّره وبقاء لذّة الخطاب في أذنه ، فهو هذيان عند أهل الأديان . فالصحيح في ذلك توجّه الخطاب إلى العقلاء البالغين الذين عرفوا اللّه بما شاهدوه من آثار الصنع في أنفسهم وفي باقي الموجودات ، فيكون ذلك من باب التمثيل ، حيث نزل تمكينهم من العلم بدلائل الربوبية وتمكّنهم منه منزلة الاشهاد والاعتراف .
وإليه ذهب كثير من المحقّقين ، كالمرتضى والعلّامة والبيضاوي ، وغيرهم من محصّلي الخاصّة والعامّة ، وإنّما طوّلنا الكلام وخرجنا به عن المقام ، لما هو المشهور بين الخواص والعوام « الكلام يجرّ إلى الكلام » .
ولنرجع إلى ما كنّا فيه ، فنقول : وبالجملة هذا الخبر يدلّ على أن إعادة فواضل المكلّف غير واجبة ، وبه تندفع شبهة مشهورة ، هي أنّ المعاد البدني غير ممكن ؛ لأنّه لو أكل إنسان إنسانا وصار جزء بدنه : فإمّا أن لا يعاد وهو المطلوب ، أو يعاد فيهما معا وهو محال ، أو في أحدهما وحده ، فلا يكون الآخر معادا بعينه ، وهذا مع إفضائه إلى ترجيح من غير مرجّح يستلزم المطلوب ، وهو عدم إمكان إعادة جميع الأبدان بأعيانها ، وذلك لأنّ المعاد إنّما هو الأجزاء الأصلية الباقية ، وهذا الجزء فضل لا يجب إعادته .
نعم لو كان من الأجزاء الأصلية للمأكول أعيد فيه ، وإلّا فلا . أو يقال : أجزاء المأكول أصلية له وفضلية للآكل حيث صارت غذاء له ، فيعاد كلّ منهما مع أجزائه الأصلية ، فيرد أصلية المأكول التي صارت فضلية للآكل إلى المأكول ، ويبقى أصلية
الرسائل الإعتقادية ( ط الثانية ) — صفحة 351
مساهمون: السيد مهدي الرجائي
ص٣٥١