تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسائل الإعتقادية ( ط الثانية ) — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
للخطاب إن كانت في تلك المدّة المتطاولة الغير المتناهية كاسبة ، فأين مكسوباتها ؟ وإن لم تكن بل كانت مهملة معطّلة ، فيلزم التعطيل . مع أنّه لا وجه لتعطّلها مع بقائها وبقاء ما تعلّقت بها ، وكونها قابلة للخطاب والسؤال والجواب ، فيلزم أن يكون لكلّ إنسان علوم وكمالات أو نقصان وجهالات غير متناهية ، وطول العهد لو كان منسيا لما كان منسيا للجميع ، خصوصا ما هو قريب العهد ، ولا يجد إنسان من نفسه شيئا من ذلك . وأمّا سابعا : فلأنّ تلك الذرّات المسؤولة في الأزل لمّا جعلوا عقلاء عارفين التوحيد فاهمين الخطاب بتعلّق روح كلّ واحدة بها ، وجب أن يتذكّروا الميثاق ؛ لأنّ أخذه إنّما يكون حجّة على المأخوذ عليه إذا كان ذاكرا له ، وكيف يجوز أن ينسي جميع العقلاء شيئا كانوا عرفوه وميّزوه حتّى لا يذكره واحد منهم ، وإن طال العهد . ألا ترى أنّ أهل الآخرة يعرفون كثيرا من أحوال الدنيا ، حتّى يقول أهل الجنّة لأهل النار :
أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا
« 1 » ولو جاز أن ينسوا ذلك ، لجاز أن يكون اللّه قد كلّف الخلق فيما مضى . ثمّ أعادهم : إمّا ليثيبهم ، أو ليعاقبهم ، ونسوا ذلك ، وذلك يؤدّي إلى الجهل ، وإلى صحّة مذهب التناسخية ، فإنّ من أقوى الدليل في الردّ عليهم أنّ النفس المتعلّقة بهذا البدن لو كانت منتقلة إليه من بدن آخر ، لزم أن يتذكّر شيئا من أحوال ذلك البدن ؛ لأنّ محلّ العلم والتذكّر هو جوهر النفس الباقي - كما كان - واللازم باطل قطعا .
هامش
( 1 ) سورة الأعراف : 44 .