تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسائل الإعتقادية ( ط الثانية ) — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
فقال : إنّ معنى قوله « لقتله » أي : لكدّ فكره وخاطره كدّا يجهده ، وإنّه عبّر بالقتل هاهنا على سبيل المبالغة في تعبيره عن شدّة المبالغة والمشقّة ، كما يقول القائل : قتلني انتظار فلان ، ومتّ إلى أن رأيتك ، وإلى أن تخلّصت من الشدّة التي كنت فيها عدّة دفعات ، وهو يريد الإخبار عن شدّة الكلفة والمشقّة والمبالغة في وصفهما . الجواب وباللّه التوفيق : إنّ هذا الخبر إذا كان من أخبار الآحاد التي لا توجب علما ولا تثلج صدرا ، وكان له ظاهر بنافي المعلوم المقطوع به ، أوّلنا ظاهره على ما يطابق الحقّ ويوافقه إن كان ذلك سهلا ، وإلّا فالواجب طرحه وإبطاله . وإذا كان من المعلوم الذي لا يخيّل سلامة سريرة كلّ واحد من سلمان وأبي ذرّ ، ونقاء صدر كلّ واحد منهما لصاحبه ، وأنّهما ما كانا يشبه من المدغلين في الدين ولا المنافقين ، فلا يجوز مع هذا المعلوم أن يعتقد أنّ الرسول صلّى اللّه عليه وآله يشهد بأنّ كلّ واحد منهما لو اطّلع على قلب صاحبه لقتله على سبيل الاستحلال لدمه ، ويعلم أنّه إن قال ذلك فله تأويل غير هذا الظاهر الذي لا يليق بهما . ومن أجود ما قيل في تأويله : إنّ الهاء في قوله « لقتله » راجعة إلى المطّلع لا إلى المطّلع عليه ، كأنّه أراد أنّه إذا اطّلع على ما في قلبه وعلم موافقة باطنه لظاهره وشدّة إخلاصه له ، اشتدّ ضنّه به ، ومحبّته له ، وتمسّكه بمودّته ونصرته ، فقتله ذلك الضنّ والودّ ، بمعنى أنّه كاد يقتله ، كما يقولون في من يهوى غيره وتشتدّ محبّته له : إنّه قد قتله حبّه وأتلف نفسه ، وما جرى مجرى هذا من الألفاظ . وتكون فائدة هذا الخبر حسن الثناء من النبي صلّى اللّه عليه وآله ، وأنّه آخى بينهما وباطنهما كظاهرهما ، وسرّهما في النقاء والصفاء كعلانيتهما ، حتّى لو أنّ أحدهما اطّلع على ما في قلب الآخر لأعجب به ، وكاد يقتله محبّة له وضنّا به ، وهذا أشبه بمنزلة الرجلين في نفوسهما وعند النبي عليه وآله السلام ، وأليق بأن يكون مدحا