ولا ينفعه ، فإنّ شامخ المعرفة أشمخ من أن يطير إليه كلّ طائر ، وسرادق البصيرة أحجب من أن يحوم حوله كلّ سائر ، يضلّ به كثيرا ، ويهدي به كثيرا ، ولهذا يضنّ العالم علمه من غير أهله ، ويخزنه كالدرّ المكنون في صدف صدره ، لقوله عليه السّلام : من وضع الحكمة في غير أهلها جهل ، ومن منع أهلها ظلم ، فاعط كلّ ذي حقّ حقّه « 1 » .
ومثل هذا لا يدلّ على أنّ سلمان كان دغلا منافقا بالنسبة إلى أبي ذرّ حتّى يجب تنزيهه عنه ، بناء على العلم القطعي بنقاء سريرته ، واستقامة سيرته ، وصفاء باطنه كعلانيته بالإضافة إليه .
وإلّا يلزم منه أن يكون سائر العلماء الكاتمين علومهم على غير أهلها مدغلين منافقين بالنسبة إليهم ، وهذا باطل لقوله عليه السّلام « إنّي لأكتم من علمي جواهره » إلى آخر ما أفاده وأجاد صلوات اللّه عليه ، وغيره ممّا سبق وسيأتي ، بل كتمان العلم على غير مستحقّه لطف من الكاتم بالنسبة إليه ؛ لأنّه يفسده ولا يصلحه .
فوجب على العلماء أن يكتموا علومهم إلّا عن أهلها ، حقنا لدمائهم ، وصونا لغيرهم من الوقوع على الخطيئة ، ولذلك قال باب مدينة العلم صلوات اللّه عليهما وآلهما : وإنّ هاهنا - وأشار إلى صدره المنير - لعلما جمّا لو أصبت له حملة « 2 » .
وسأله كميل بن زياد عن الحقيقة ، فقال : مالك والحقيقة ؟ قال : أو لست صاحب سرّك ؟ قال : بلى ولكن رشح عليك ما يطفح منّي ، ثمّ أجابه عمّا سأل « 3 » .
ثمّ إنّي وجدت في بعض الحواشي بعد فراغي بمدّة عن شرح هذا الكلام كلاما
هامش
( 1 ) لم أظفر عليه في المجامع الحديثية المعتبرة .
( 2 ) نهج البلاغة ص 496 رقم الحديث : 147 .
( 3 ) كلمات مكنونة من علوم أهل الحكمة والمعرفة للفيض الكاشاني ص 30 .