وهذه الحجّة ضعيفة ؛ لابتنائها على ثبوت الامكان ، واحتياجه إلى المحلّ الوجودي ، وهو ممنوع ، بل هو أمر اعتباري لا تحقّق له في نفسه بحسب الخارج ، وإنّما له تحقّق وحصول للأشياء ، فإنّ اتّصاف الموجود بالأمور الاعتبارية جائز ، فبعض الموجودات الخارجية متّصف في نفس الأمر بالامكان ، وإن لم يكن الامكان موجودا خارجيا .
وقال محمّد بن بابويه رحمه اللّه : إعتقادنا في النفوس والأرواح أنّها خلقت للبقاء ، ولم تخلق للفناء ، وأنّها إذا فارقت الأبدان فهي باقية ، فمنها متنعّمة ، ومنها معذّبة ، إلى أن يردّها اللّه عزّ وجلّ بقدرته إلى أبدانها .
أقول : والمختار عندي أنّ النفوس الناطقة والأرواح المجرّدة ، إنسية كانت أو جنّية ، ملكية كانت أو فلكية ، على فرض ثبوتها ، وكذلك الجنّة والنار وأهاليهما ، تدوم بدوام اللّه ، وتبقى ببقائه ، بيد أنّ دوامهم أو بقاءهم ليس كدوامه وبقائه .
ولذا لمّا قال النظّام لهشام بن الحكم : إنّ أهل الجنّة لا يبقون في الجنّة ببقاء الأبد ، فيكون بقاؤهم كبقاء اللّه تعالى ، ومحال أن يبقون كذلك .
قال هشام : إنّ أهل الجنّة يبقون بمبق لهم ، واللّه يبقى بلا مبق ، وهو ليس كذلك .
فقال : محال أن يبقوا الأبد . قال : فما يصيرون ؟ قال : يدركهم الخمود . قال :
فبلغك أنّ في الجنّة ما تشتهي الأنفس ؟ قال : نعم . قال : فإن اشتهوا وسألوا ربّهم بقاء الأبد . قال : إنّ اللّه لا يلهمهم ذلك .
قال : فلو أنّ رجلا من أهل الجنّة نظر إلى ثمرة على شجرة ، فمدّ يده اليمنى ليأخذها ، فتدلّت إليه الشجرة والثمار ، ثمّ حانت منه لفتة ، فنظر إلى ثمرة أخرى أحسن منها ، فمدّ يده اليسرى ليأخذها ، فأدركه الخمود ، ويداه متعلّقة بشجرتين ، فارتفعت الأشجار وبقي هو مصلوب ، أفبلغك أنّ في الجنّة مصلوبين ؟ !
الرسائل الإعتقادية ( ط الثانية ) — صفحة 305
مساهمون: السيد مهدي الرجائي
ص٣٠٥