والشيخ في الاستبصار لمّا روى هذه الرواية - بعد ما روى رواية ابن أبي يعفور الآتية ، ورام الجمع بينهما على مذهبه - قال : إنّها لا ينافيها من وجهين :
أحدهما : أنّه لا يجب على الحاكم التفتيش عن بواطن الناس ، وإنّما يجوز له أن يقبل شهادتهم إذا كانوا على ظاهر الإسلام والأمانة ، وأن لا يعرفهم بما يقدح فيهم ويوجب تفسيقهم ، فمتى تكلّف التفتيش عن أحوالهم يحتاج أن يعلم أنّ جميع الصفات المذكورة في خبر ابن أبي يعفور منتفية عنهم ؛ لأنّ جميعها يوجب القدح في قبول الشهادة .
الثاني : أن يكون المقصود بالصفات المذكورة فيه الإخبار عن كونها قادحة في الشهادة ، وإن لم يلزم التفتيش عنها ، والبحث عن حصولها وانتفائها ، وتكون الفائدة في ذكرها أنّه ينبغي قبول شهادة من ظاهره الإسلام ولا يعرف منه شيء من هذه الأشياء ، فإنّه متى عرف فيه أحدها قدح ذلك في شهادته « 1 » .
وهذا كما ترى توفيق غريب لا يليق مثله بمثله ؛ إذ لا يخفى أنّ رواية ابن أبي يعفور صريحة في أنّ العدالة ممّا لا بدّ منه في قبول الشهادة ، كأنّه أمر مسلّم معروف اعتباره بينهم لا خلاف فيه بوجه ، وإنّما المشتبه عليه كيفية معرفتها ، فإنّه بعد اعتباره العدالة في قبول الشهادة سأل عن طريق معرفتها ، فقرّره الإمام عليه السّلام على ذلك ، وبيّن له طريق معرفتها .
ألا يرى قوله « بم يعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتّى يقبل شهادته لهم وعليهم » « 2 » يعني : أنت وآباؤك عليكم السلام قد اعتبرتم العدالة في أبواب
هامش
( 1 ) الاستبصار 3 : 13 - 14 .
( 2 ) بحار الأنوار 88 : 37 .