وهو مع بعده ومنافاته لآية التثبّت مخالف للمشهور .
قال الشهيد الثاني في الدراية : جمهور أئمّة الحديث والأصول الفقهية على اشتراط عدالة الراوي ؛ لما تقدّم من الأمر بالتثبّت عند خبر الفاسق ، فصار عدم الفسق شرطا لقبول الرواية ، ومع الجهل بالشرط يتحقّق الجهل بالمشروط ، فيجب الحكم بنفيه حتّى يعلم وجود انتفاء التثبّت ، كذا استدلّوا عليه .
ثمّ قال : وفيه نظر ؛ لأنّ مقتضى الآية كون الفسق مانعا من قبول الرواية ، فإذا جهل حال الراوي لا يصحّ الحكم عليه بالفسق ، فلا يجب التثبّت عند خبره بمقتضى مفهوم الشرط ، ولا نسلّم أنّ الشرط عدم الفسق ، بل المانع ظهوره ، فلا يجب العلم بانتفائه حيث يجهل ، والأصل عدم الفسق في المسلم وصحّة قوله .
ثمّ قال : وهذا بعض آراء شيخنا أبو جعفر الطوسي ، فإنّه كثيرا ما يقبل خبر غير العدل ولا يبيّن سبب ذلك « 1 » .
أقول : قد عرفت ما فيه سالفا وآنفا فلا نعيده ، وإنّما قال هذا بعض آرائه ؛ لأنّه اشترط في قبول الرواية الإيمان والعدالة في كتب الأصول ، ولكن وقع له في كتب الفروع غرائب .
فتارة يعمل بالخبر الضعيف مطلقا ، حتّى أنّه يخصّص به أخبارا كثيرة صحيحة حيث يعارضه بإطلاقها ، وتارة يصرّح بردّ الحديث لضعفه ، وأخرى بردّ الصحيح معلّلا بأنّه خبر واحد لا يوجب علما ولا عملا ، كما هي عبارة المرتضى .
ثمّ قال الشهيد : ومذهب أبي حنيفة قبول رواية مجهول الحال ، محتجّا بنحو ذلك ، وبقبول قوله في تذكية اللحم وطهارة الماء ورقّ الجارية ، والفرق بين ما ذكر
هامش
( 1 ) الرعاية في علم الدراية ص 183 - 184 .