الأنفس على أربع درجات :
الأولى : الورع عمّا يوجب التفسيق وسقوط العدالة ، وهذه أدناها .
الثانية : ورع الصالحين ، وهو التحرّج عمّا يتطرّق إليه شبهة الحرمة ، وإن ساغ ذلك في الفتوى ، وهو الذي قال فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك « 1 » .
الثالثة : ورع المتّقين ، وهو ترك المباح خوفا من انتهائه إلى المحظور ، مثل ترك التحدّث بأحوال الناس ، حذرا من أن يجرّ إلى الغيبة . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : لا يبلغ الرجل درجة المتّقين حتّى يدع ما لا بأس به مخافة ما به بأس « 2 » .
الرابعة : ورع الصدّيقين ، وهو ترك ما لا يراد بتناوله القوّة على طاعة للّه ، أو يلمّ بصاحبه بعض خواطر المعصية . إنتهى .
وظاهره يدلّ على عدم جواز الائتمام بمن لا ورع له بالمعنى المذكور ، وظاهر أنّ معرفته بذلك موقوفة على الاختبار المستفاد من التكرار ، لا على مجرّد حسن الظاهر ، وإن لم يحصل العشرة الباطنة ؛ إذ لا يحصل به للنفس وثوق لا بدينه ولا بورعه ، كيف ؟ والإنسان كثيرا ما يخفي أسباب فسقه ، فلا بدّ من معرفة باطن أمره ، فهذا القول أيضا يدلّ على اعتبار الملكة بطريق قد سبق ذكره .
ومن هنا يعلم أنّ السلف رحمه اللّه كانوا يبالغون في معرفة عدالة الإمام وديانته وأمانته ، وكانوا يفتشون عن حاله إلى أن يحصل لهم وثوق بتقواه وورعه ، وما كانوا يكتفون بمجرّد حسن ظاهره من غير أن يتحقّق لهم الوثوق به .
كيف ؟ وعلي بن بابويه من السلف الصالح ، ومن أجلّاء أصحابنا وفقهائهم ، وابنه
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة 27 : 167 و 170 ، وبحار الأنوار 2 : 259 و 260 .
( 2 ) بحار الأنوار 77 : 166 و 179 .