والطمأنينة بكلّ أحد ، فإنّ من شأن أهل الرأي والصلاح أن لا يثقوا بكلّ أحد ، ولا يركنوا إلى كلّ شخص ، تفاديا عن الغرر ، وأخذا بفضيلة الحزم .
ولذلك قال أمير المؤمنين عليه السّلام : الطمأنينة إلى كلّ أحد قبل الاختبار عجز « 1 » .
وفي كلامهم : إذا كان العذر تبعا ، فالثقة بكلّ أحد عجز .
وعلى هذا المعنى حمل الخبر المشهور : « الحزم سوء الظنّ بالناس » « 2 » .
وفي رواية : « احترسوا من الناس بسوء الظنّ » « 3 » .
وروى ثقة الإسلام في الكافي ، عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : الحزم مساءة الظنّ « 4 » .
قال بعض الشارحين : يعني : إنّ جودة الرأي وإحكام الأمر والأخذ بالثقة يقتضي سوء الظنّ بالناس ، يعني تجويز السوء منهم والتثبّت فيما يأتون به حتّى يتبيّن الحقّ من الباطل ، والصدق من الكذب ، والعلم من الشبهة ، ولو وجب القبول منهم والثقة بهم من غير حزم ولم يجز نسبة السوء إليهم لوقع الهرج والمرج وبطل الدين ، ورجع كما كان قبل البعثة .
وبالجملة فالحزم يوجب أن يبنى الحال على تجويز السوء منهم حتّى يتبيّن الحقّ ، ويحصل الإذعان به .
وفيه تنبيه على أنّه لا ينبغي متابعة الغير في أمر من الأمور مع تجويز كون ذلك الأمر خطأ ، بل لا بدّ من كمال الاحتياط فيه . وإنّما قلنا على جواز السوء منهم ؛ لأنّه
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ص 544 رقم الحديث : 384 .
( 2 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 18 : 278 .
( 3 ) بحار الأنوار 77 : 160 ، تحف العقول ص 54 .
( 4 ) أصول الكافي 1 : 27 .