لأنّ مقتضاها التزام تكاليف الشرع ، وهو ليس بصفة جبلّية في الإنسان ، ومقتضى الفسق القوّة الشهوية والغضبية ، وهما عزيزتان فيه .
والظاهر بل الأصل وقوع مقتضى الصفة الغريزية ما لم يدلّ دليل على خلافه ، وإنّما يحصل العلم بخلافه بعد الاختبار المستفاد من التكرار المطّلع على الخلق من التخلّق والطبع من التكلّف وما يجري مجراه ، لا بمجرّد حسن الظاهر ، وإن لم تحصل العشرة الباطنة .
تقرير آخر : العدالة حادثة في الإنسان ، والأصل عدم حدوثها فيه ؛ لأنّ عدم الحادث السابق على وجوده ، ألا يرى أنّ التحلية بعد التخلية ، والفضيلة بعد الرذيلة ، والعلم بعد الجهل ، والكمال بعد النقصان في الإنسان ، بل الممكن بما هو ممكن ناقص ، وإنّما يتكامل بسبب من أسباب خارجة : إمّا دفعة ، أو على التدريج .
والعلم بذي السبب إنّما يحصل من العلم بسببه ، فإذا شوهد مثلا صلاح شخص وعلم أنّ ذلك ليس منه ليس من باب التدليس « 1 » ، بأن لم يزل عليه مستمرّا إلى أوقات أخر حكم به عليه ، وإلّا فالأصل فيه عدمه .
هذا معنى كون العدالة طارءة ، والفسق طارءا إلّا أنّ المكلّف فاسق وإن لم يعص اللّه ، ليرد أنّ الصبي إذا بلغ كان عادلا إلى أن تصدر عنه معصية . وفيه ما فيه ، فإذا وجد ذلك الأصل وانضمّ إليه ما سبق من مقتضى الفسق قوي جانبه فيرجّح .
ولا أقل من أن يصير منشأ لحصول الريبة في حدوث العدالة ، فالاحتياط يقتضي التوقّف إلى أن يحصل ما يزيل الريبة ، والاحتياط مهما أمكن في العبادات
هامش
( 1 ) إشتقاقه من الدلس بالتحريك ، وهو اختلاط الظلام ، سمّي بذلك لاشتراكهما في الخفاء ، حيث أو هم أنّه عادل وليس بذاك « منه » .