ولهذا المعنى وصف اللّه بالعدل إذا كان معنى عدله وضعه لكلّ موجود في مرتبة وهيئة له ما يستحقّه من غير زيادة ونقصان مضبوطا بنظام الحكمة .
ثمّ الصراط المستقيم المؤدّي بسالكه إلى اللّه تعالى : إمّا علم ، أو عمل . فالعلم طريق القوّة النظرية ، والعمل طريق القوّة العملية ، وكلّ منهما متوسّط بين رذيلتين هما طرفا الإفراط والتفريط ، والوسط منهما هو العدل ، فهو الصراط المستقيم الذي لا ميل له إلى أحد الجانبين .
ولذلك قال العسكري عليه السّلام : الصراط المستقيم في الدنيا هو ما قصر عن الغلوّ ، وارتفع عن التقصير ، فلم يعدل إلى شيء من الباطل ، وفي الآخرة هو طريق المؤمنين إلى الجنّة ، فمن استقام على هذا الصراط ، مرّ على صراط الآخرة مستويا ودخل الجنّة آمنا « 1 » .
قالوا : ومن فضيلة العدل أنّ الجور الذي هو ضدّه لا يستتبّ إلّا به ، فلو أنّ لصوصا تشارطوا فيما بينهم شرطا ، فلم يراعوا العدالة ، لم ينتظم أمرهم ، ومن فضله أنّ كلّ نفس تتلذّ بسماعه وتتألّم من ضدّه .
ولذلك يستحسن الجائر عدل غيره إذا رآه أو سمع به ، ولحسنه تتألّم النفوس من كلّ ما كان مركّبا في العالم ليس له نظام مستقيم ، ولذلك يكره العرج والعور ويتشأّم به . والذين يجب على الإنسان استعمال العدل معهم خمسة :
الأوّل : ربّ العزّة تعالى وتقدّس ، وذلك بمعرفة توحيده وأحكامه والقيام بها .
الثاني : قوى النفس ، وذلك بأن يجعل هواه مستسلما لعقله ، فقد قيل : أعدل الناس من أنصف عقله من هواه .
هامش
( 1 ) تفسير الإمام العسكري عليه السّلام ص 44 .