كالبلاغة المتوسّطة بين العيّ والهذر .
فتبيّن أنّه لا يخرج شيء من الفضائل عنه قولا وعملا واعتقادا ، ولذلك قالوا :
هو ميزان اللّه المبرىء من كلّ زلّة ، وصراطه المستقيم المؤدّي بسالكه إليه ، وبه يستتبّ أمر العالم ، قال اللّه تعالى :
الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ
« 1 » وقال :
وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ
« 2 » .
عبّر بالميزان عن العدل ؛ لأنّه من أثره ، ومن أظهر أفعاله للحاسّة ؛ إذ كان العدل مراعاة الاستقامة على حاقّ الوسط في طرفي الإفراط والتفريط اللذين هما ككفّتي الميزان ، مهما رجّحت إحداهما فالنقصان لازم والخسران قائم .
وقال عليه السّلام : بالعدل قامت السماوات والأرض « 3 » . إذ لو كان شيء من موجودات العالم وأصولها زائدا على الآخر إفراطا ، أو ناقصا عنه تفريطا ، لم يكن منتظما هذا النظام .
وبيان ذلك : أنّ مقادير العناصر لو لم تكن متكافئة متعادلة بحسب الكمّية والكيفية ، لاستولى الغالب على المغلوب ، وانتقلت الطبائع كلّها إلى طبيعة الجرم الغالب . ولو كان بعد الشمس من الأرض أقلّ ممّا هو عليه الآن ، لاحترق كلّ ما في العالم . ولو كان أكثر لاستولى البرد والجمود ، وكذا القول في مقادير حركات الكواكب ومراتب سرعتها وبطوءها ، فإنّ كلا منها مقدّر على ما يليق بنظام العالم وقوامه وقيامه .
هامش
( 1 ) سورة الشورى : 17 .
( 2 ) سورة الرحمن : 7 .
( 3 ) عوالي اللآلي 4 : 102 .