وقال الحكماء : أصول الفضائل الخلقية ثلاثة : الشجاعة ، والعفّة ، والحكمة ، ومجموعها العدل .
واعلم أنّ العدل أصل كلّ خير ، وعليه مدار كلّ أمر ، وبه قامت السماوات والأرض ، وهو ميزان اللّه القسط في الدنيا والآخرة ، وهو : إمّا بالقوّة فهيئة نفسانية يطلب بها المتوسّط بين الإفراط والتفريط ، وإمّا بالفعل فالأمر المتوسّط بين طرفي الإفراط والتفريط .
فبالاعتبار الأوّل قيل : هو أصل الفضائل كلّها ، من حيث إنّ صاحبه يكسب به جميع الفضائل .
وبالاعتبار الثاني قيل : هو الفضائل كلّها من حيث إنّه لا يخرج شيء عن الفضائل عنه .
وبيانه : أنّ الفضائل كلّها ملكات متوسّطة بين طرفي إفراط وتفريط ، فالمتوسّط منها هو العدل ، كالحكمة النظرية المتوسّطة بين الجربزة والغباوة ، والعفّة المتوسّطة بين خمود الشهوة والفجور ، والشجاعة المتوسّطة بين الجبن والتهوّر ، والسخاء بين التبذير والبخل ، والتواضع بين الكبر والذلّ ، والاقتصاد بين الإسراف والتقتير ، والإنصاف بين الظلم والانظلام ، وقس على ذلك سائر الأخلاق الفاضلة .
فالأوساط بين هذه الأطراف المتضادّة هي الفضائل ، ولكلّ منها طرفا تفريط وإفراط هما مذمومان ، والخروج إلى أحدهما هو الجور الذي هو ضدّ العدل ، والأطراف المتضادّة هي الرذائل ، ومن هنا قيل : خير الأمور أوسطها .
ثمّ هذا الحكم في العدل جار في باب العقائد أيضا ، كالتوحيد المتوسّط بين التعطيل والشرك ، والتعويل على الأمر بين الجبر والتفويض ، وفي باب الأعمال كأداء الواجبات والسنن المتوسّط بين البطالة والترهّب ، وفي باب الأقوال
الرسائل الإعتقادية ( ط الثانية ) — صفحة 161
مساهمون: السيد مهدي الرجائي
ص١٦١