مبتدء بالنعم قبل استحقاقها ، فيكون إيجاده وإرشاده وإقداره وتمكينه وتكليفه وتوفيقه العبد على العمل فضلا منه ورحمة غير واجب عليه ابتداء .
وهذا لا ينافي القول بوجوب إيصال الثواب بالطاعة والعقاب على المعصية بعد تكليفه لهم وإلزامه المشقّة عليهم ؛ لأنّ إلزامها من غير عوض قبيح ، والقول بأنّ إيجاب هذه التكاليف وقع شكرا للنعم السابقة ، فلا يستحقّوا بها ثوابا ، قبيح ؛ لقبح إيجاب المشقّة في شكر النعمة ؛ لأنّ من أنعم على غيره ، ثمّ كلّفه وأوجب عليه الشكر على تلك النعمة ، من غير أن يوصل إليه ثوابا ، عدّ ذلك منه قبيحا .
هذا ، وقال السيّد السند المرتضى علم الهدى - زيد أجره - في الدرر والغرر بعد نقل خبر أبي هريرة هذا : إن سأل سائل عن هذا الخبر ، فقال : أليس في هذا دلالة على أنّ اللّه تعالى يتفضّل بالثواب ، وأنّه غير مستحقّ عليه ، ومذهبكم بخلاف ذلك ؟
الجواب قلنا : فائدة الخبر ومعناه بيان فقر المكلّفين إلى اللّه تعالى ، وحاجتهم إلى ألطافه وتوفيقاته ومعوناته ، وأنّ العبد لو أحوج « 1 » إلى نفسه ، وقطع اللّه تعالى موادّ المعونة واللطف عنه ، لم يدخل بعمله الجنّة ولا نجي من النار .
فكأنّه عليه السّلام أراد أنّ أحدا لا يدخل بعمله الذي لم يعنه اللّه تعالى عليه ولا لطف له فيه ولا أرشده إليه . وهذا هو الحقّ الذي لا شبهة فيه .
فأمّا الثواب ، فما نأبى القول بأنّه تفضّل ، بمعنى أنّ اللّه تعالى تفضّل بسببه الذي هو التكليف ، ولهذا نقول : إنّه لا يجب على اللّه تعالى شيء ابتداء ، وإنّما يجب عليه ما أوجبه على نفسه ، فالثواب كأنّه ما أوجبه على نفسه بالتكليف ، وكذلك التمكين والألطاف وكلّ ما يوجبه ويجلبه التكليف ، ولولا إيجابه له على نفسه بالتكليف لما وجب .
هامش
( 1 ) في المصدر : أخرج .