بحسناتك منك ، وأنت أولى بسيّئاتي منّي ، وذاك أنّي لا أسأل عمّا أفعل وهم يسألون « 1 » .
وظاهر أنّ واهب القوّة أقوى ، وهو بالحسنات التي هي آلة لها أولى ؛ لأنّه وهبها ليصرفه فيها ، فلمّا صرفها في السيّئات وقد نهى عنه صار هو أولى بها منه ؛ لأنّه صرف الشيء في غير مصرفه ، فسرف وظلم نفسه واستحقّ بها العقاب .
وأمّا قوله عليه السّلام « إلّا أن يتغمّدني اللّه برحمة منه وفضل » فهذا منه فزع إلى ألطاف اللّه تعالى ، جريا على سنن الأنبياء والأوصياء والصالحين في قصر نيل الخيرات والنجاة من الشرور على جناب اللّه عزّ اسمه ، وسلب القوى والقدر عن أنفسهم ، ومبالغة في استدعاء لطفه تعالى .
فكأنّه قال : لو خلّي اللّه بيني وبين نفسي بمنعه الفضل والرحمة واللطف عنّي ، عجزت عن سلوك طريق معرفته وسبيل طاعته التي توجب دخول الجنّة والنجاة من النار .
وإنّما قالها ثلاثا ليشير به إلى شدّة حاجة العبد في صالحات العمل إلى رحمته وفضله تعالى ، كما أشار إليه بقوله :
وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً
« 2 » .
ولا يذهب عليك أنّ هذا الخبر ينفي مذهبي الجبر والتفويض ؛ لأنّه عليه السّلام أثبت للعبد عملا ونفى عنه استقلاله في إدخال الجنّة ، فيحتاج فيه إلى عناية اللّه وتوفيقاته وتأييداته وألطافه الخاصّة .
هامش
( 1 ) أصول الكافي 1 : 152 ح 6 ، وص 160 ح 12 .
( 2 ) سورة النور : 21 .