فإن قيل : فقد سمّى الرسول صلّى اللّه عليه وآله ما يفعل به تفضّلا « 1 » ، فقال : إلّا أن يتغمّدني اللّه برحمته وفضله .
قلنا : هذا يطابق ما ذكرناه ؛ لأنّ الرحمة نعمة ، والثواب نعمة ، وهو فضل وتفضّل من الوجه الذي ذكرناه ، وإن حملنا قوله عليه السّلام « برحمة منه وفضل » على ما يفعل به من الألطاف والمعونات ، فهي أيضا فضل وتفضّل ؛ لأنّ سببهما غير واجب « 2 » .
أقول : إن جعلت هذا الخبر وما شاكله ردّا على من قال بعدم مدخلية توفيق اللّه وخذلانه في أفعال العباد ، وهم المشهورون بالمفوّضة ؛ إذا الإنسان بمجرّد جدّه وجهذه لا يصل إليه ما قدر وصوله إليه بالاجتهاد ، فإنّ الجهد وحده ليس بسبب موجب ، بل يحتاج وصوله إليه إلى شرائط أخر .
وحسن التوفيق عبارة عن استجماع تلك الشرائط ، وسوء التوفيق عبارة عن فقدانها كلّا أو بعضا ، زال عنك السؤال والإشكال ، وذلك أنّ فعله تعالى في الطاعات أدخل وأشدّ تأثيرا من فعلك ، كما أنّ فعلك في السيّئات أدخل وأشدّ تأثيرا من فعله تعالى فيها ، ولهذا ورد في كثير من الأخبار القدسية أنّه تعالى أولى بحسنات عباده منهم ، وهم أليق بسيّئاتهم منه .
ففي الكافي : عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي ، عن الرضا عليه السّلام ، أنّه قال :
قال اللّه عزّ وجلّ : يا بن آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء ، وبقوّتي أدّيت فرائضي ، وبنعمتي قويت على معصيتي ، جعلتك سميعا بصيرا قويا ، ما أصابك من حسنة فمن اللّه ، وما أصابك من سيّئة فمن نفسك ، وذاك أنّي أولى
هامش
( 1 ) في المصدر : فضلا .
( 2 ) أمالي الشريف المرتضى 2 : 20 .