والجواب الآخر - وهو الثالث - : أنّ محبّة أمير المؤمنين أكبر الطاعات بعد المعرفة بالله عز وجل وبرسول الله صلى الله عليه وآله ، ومن أتى بها مجتنباً لكبائر الآثام ، وإذا قارف ذنباً من صغار الذنوب كان مكفّراً بولاية أمير المؤمنين عليه السلام ، فيكون المراد بقوله :
« لا يضرّ معها سيئة »
الصغائر دون الكبائر الموبقات ؛ قال تعالى :
« إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً »
« 1 »
.
والجواب الآخر الرابع - وهو أصعبها وأشدّها في التأويل - : أنّ مَن أحبّ علياً عليه السلام بشرائط محبته حظرت عليه مقاربة الذنوب فلم يوقَع سيئةً تضرّه ، ولذلك قال أمير المؤمنين عليه السلام للذين اتبعوه بالكوفة ، وهو متوجه إلى النجف في الليلة الظلماء :
ما أنتم ؟
فقالوا : نحن شيعتك يا أمير المؤمنين . فقال لهم :
لا أرى عليكم سيماء الشيعة !
فقالوا : وما سيماء الشيعة يا أمير المؤمنين ؟ فقال :
صُفر الوجوه من السهر ،
خُمص / 13 /
البطون منالصيام ، ذُبل الشفاه من الدعاء ، عُمش العيون من البكاء ، حدب « 2 » الظهور من القيام ، عليهم
هامش
- عبد الله المفيد - قدس الله روحه - في إرشاده : إن الله تعالى آلى على نفسه أن لا يطعم النار لحم رجل أحب عليا عليه السلام ، وان ارتكب الذنوب الموبقات وأراد الله أن يعذبه عليها كان ذلك في البرزخ وهو القبر ومدته ، حتى إذا ورد القيامة وردها وهو سالم من عذاب الله ، فصارت ذنوبه لا تضره ضررا يدخله النار . قال : « وبهذا جاء الأثر عن أحد آل محمّد عليهم السلام » ولعله يريد ما رواه المفيد رحمه الله في أماليه عن صفوان الجمال أنه قال : دخلت على الصادق عليه السلام فقلت : جعلت فداك سمعتك تقول : شيعتنا في الجنة ، وفي الشيعة أقوام يذنبون ويرتكبون القبائح ، ويشربون الخمور ، ويتمتعون في دنياهم ؟ فقال عليه السلام : نعم أهل الجنة ، أن الرجل من شيعتنا لا يخرج من الدنيا حتى يبتلي بسقم ، أو بمرض ، أو بدين ، أو بجار يؤذيه ، أو بزوجة سوء ، فإن عوفي من ذلك كله شدد الله عليه النزع حتى يخرج من الدنيا ولا ذنب عليه . فقلت : لابد من رد المظالم ؟ فقال سلام الله عليه : إن الله جعل حساب خلقه يوم القيامة إلى محمّد وعلي صلوات الله وتسليماته عليهما ، فكلما كان على شيعتنا حسبناه من الخمس في أموالهم ، وكل ما كان بينهم وبين خالقهم استوهبناها لهم حتى لا يدخل أحد من شيعتنا النار .
وعن الفاضل الجليل الشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي - عطر الله مرقده - في كتابه المسمى بالفرقة الناجية ، عن كتاب البشارة لشيعة علي عليه السلام حديثا أرجى من الأول . وهو أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله دخل يوماً على علي بن أبي طالب سلام الله عليه ، فقال : ما رأيتك أقبلت علي مثل هذا الإقبال ! فقال صلوات الله وسلامه عليه : جئت لُابشّرك ؛ اعلم أن هذه الساعة نزل عليَّ جبرئيل عليه السلام وقال لي : الحق يقرئك السلام ويقول : بشر علياً وشيعته أن الطائع والعاصي منهم من أهل الجنة . فلما سمع مقالته خر لله ساجدا ، ثم رفع يديه إلى السماء ، وقال : شهد الله علي أني وهبت حسناتي لشيعتي . فقالت فاطمة عليها السلام : شهد الله علي أني وهبت لشيعة علي نصف حسناتي . فقال الحسن والحسين عليهما السلام أيضاً كذلك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ما أنتم بأكرم مني شهد الله علي أني وهبت لشيعة علي نصف حسناتي . فأوحى الله عز وجل إلى رسوله : ما أنتم بأكرم مني ، إني غفرت لشيعة علي ومحبيهم ذنوبهم .
( 1 ) . سورة النساء ، الآية 31 .
( 2 ) . الحُدب بالضم جمع الأحدب . والحدب محركة خروج الظهر ودخول الصدر والبطن . ( البحار ، ج 56 ، ص 151 ) .