فأيّ فضيلة تكون للعاصي ؟ فسكت ولم يرد جواباً .
فقال المأمون : أخبرني عن قوله تعالى :
« فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ »
« 1 » في من نزلت هذه الآية ؟ فقال إسحاق : نزلت في أبي بكر ؛ لأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان مستغنياً عن السكينة ، فقال المأمون : كذبت - يا إسحاق - على اللَّه تعالى ؛ أخبرني عن قوله تعالى :
« وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ »
« 2 » الآية . أتدري - يا إسحاق - من المؤمنون الّذين ذكرهم اللَّه في هذا الموضع ؟ فقال : لا أعلم ، فقال المأمون : يا إسحاق ، إنّ الناس انهزموا يوم حنين فلم يبق مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلّاسبعة من بني هاشم ، عليّ يضرب بسيفه يميناً وشمالًا ، والعبّاس قابض بلجام بغلة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، والخمسة محدقون حول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم خوفاً أن يناله سلاح الكفّار ، حتّى أعطي عليٌّ عليه السلام « 3 » الظفر على الكفّار ، ورجع منصوراً إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وعنى بالمؤمنين في هذا الموضع عليّاً ومن حضر معه من بني هاشم ، فمن يكون أفضل الصحابة ؟ الّذي كان مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ونزلت السكينة على النبيّ وعليه ، أو من كان معه في الغار ولم يُرَ أهلًا لنزولها ؟ !
يا إسحاق ، ومن أفضل ؟ من كان مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في الغار ، أو من نام على فراشه ووقاه بنفسه ، حتّى رجع من الهجرة بأمر من اللَّه لنبيّه ، وأمرٍ من النبيّ له ؟ حتّى أنّ عليّاً عليه السلام قال له : وتَسلم أنت يا نبيّ اللَّه ؟ قال : نعم ، فقال : سمعاً وطاعةً ، ثمّ أتى مضجعه واتّشح « 4 » بثوبه ، وأحدق المشركون به ، ولا يشكّون فيه أنّه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد أجمعوا أن يضربوه من كلّ بطن من قريش ضربة رجل واحد كيلا يطلب بدمه الهاشميّون كلّ هذا ، وعليّ عليه السلام يسمع من القوم ما عزموا عليه من التدبير في تلف نفسه ، فلم يدعُه ذلك إلى الخروج كما خرج أبو بكر رجله من الغار ، وهو مع النبيّ المختار وعليّ عليه السلام وحده في
هامش
( 1 ) . سورة التوبة ، الآية 40 .
( 2 ) . سورة التوبة ، الآية 25 و 26 .
( 3 ) . في المصدر : حتّى أعطى اللَّه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم الظفر .
( 4 ) . في المصدر : وتسجّى .