فقال : إن صحّ ذلك عنه أو لم يصحّ ، فإنّ جميع أوقات رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كانت وقتاً لا يسعه فيه غيراللَّه عز وجل بسرّه وقلبه ، ولكن كان يريد بصفاته إلى الخلق حتّى يؤدّبهم ويعلّمهم ، ويجري على صفاته تلوين الأحكام لينتفع الخلق ، فإذا بدا على صفاته من أنوار سرّه أخذه عن الخلق أيضاً .
كما قالت عائشة : انتبهت ليلةً فلم أجد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في فراشي ، فقلت : أطلُبُه ، فوقعتُ يدي على قدميه وهما منتصبتان ساجداً ذاكراً للَّهفسمعتُ وهو يقول : أعوذ برضاك من سخطك ، الحديث .
فهذا هو الوقت الّذي كان يبدو من سرّه الأنوار على صفاته ، وإذا ردّت الأنوار إلى سرّه ردّ بصفاته إلى الخلق لينتفعوا به ويقتدوا به ، معنى صفاته أيظاهره ، ومعنى سرّه أي باطنه .
325 - قال الشبلي : كان النبيّ صلى الله عليه وسلم لا ينزل في مقام ، وإنّما ينقل في سجوده من مقام إلى مقام ؛ ألا تراه أنّه قال في أوّل سجوده : سجد لك سوادي ، وآمن بك فؤادي « 1 » ، فأخبر عن نفسه ، ثمّ قرب حتّى نسي نفسه فقال : أعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ بعفوك من عقوبتك « 2 » ، فاشتغل بصفات اللَّه ، ثمّ قرُب حتّى نسي الصفات فقال : أعوذ بك منك ، ثمّ قرب حتّى قال : لا أحصي ثناءً عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك ، ثمّ قرب حتّى خرس وسكت كالصبيّ في المهد ؛ يشغل مرّةً باللبن ومرّةً بالقماط ومرّةً بالشدّ ، ثمّ إذا تلذّذ بالنوم نسي القماط واللبن والشدّ ، ونام .
326 - ومن استنباطهم معاني أخبار مرويّة عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من طريق الفهم بخلاف ظاهره ما قال الشيخ أبو نصر السرّاج « 3 » : سمعتُ أبا الحسين أحمد بن محمّد سالم
هامش
( 1 ) . مستدرك الحاكم ، ج 1 ، ص 534 ؛ بحارالأنوار ، ج 79 ، ص 239 .
( 2 ) . الكافي ، ج 3 ، ص 324 ؛ كنز العمال ، ج 8 ، ص 225 ؛ بحارالأنوار ، ج 22 ، ص 245 .
( 3 ) . أبو نصر السراج المعروف بطاووس الفقراء ، صاحب كتاب اللُّمَع ، راجع لأحواله : نفحات الأنسللجامي ، ص 289 و 798 وتلبيس الابليس لابن الجوزي ، ص 164 والطبقات للأسنوي ج 2 ، ص 28 ؛ وجستجو در تصوف إيران ، ص 68 .