من عقوبتك ، وأعوذ بك منك ، لا احصي ثناءً عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك . « 1 »
قال : يقول اللَّه عز وجل :
« وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ »
« 2 » فوجد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في سجوده معنى من القرب فقال : أعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك ، فاستعاذ بصفاته من صفاته ، ثمّ شاهد معنىً آخر من القرب ما اندرج فيه القرب الّذين شاهد به الصفات والنعوت ، فقال : أعوذ بك منك ؛ لأنّه قد كان إستعاذ بصفاته من صفاته ، فلمّا استعاذ به لم يكن المستعاذ به إلّامنه ، ثمّ زيد في قربه ووجد من المشاهدة معنىً أفناه من الاستعاذة به ، فقال : لا أحصي ثناءً عليك ، فاحتشم من الاستعاذة في محلّ القرب والالتجاء إلى الثناء عليه ، ومن لم يطق الاستعاذة الّتي هي حدّ العبوديّة فكيف يطيق الثناء وهو صفة الربوبية ، فلذلك قال : لا أحصي ثناء عليك .
ثمّ احتشم أيضاً من الثناء عليه في محلّ القرب ، بما أثنى اللَّه على نفسه قبل الخلق ، وحمد نفسه قبل حمدهم له ، وشهد لنفسه بالوحدانية قبل شهادتهم له ، فقال : أنت كما أثنيت على نفسك ، وهذا نهاية حقيقة التفريد وحقيقة التجريد أن يذهب العبد ويتلاشى كما لم يكن ، فيكون اللَّه كما لم يزل ، فلو جُمع جميع إشارات العارفين الواجدين والمتحقّقين في التوحيد ، لم يبلغ عشر معيار ما أشار إليه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى .
318 - وقيل أيضاً في معنى قول النبيّ صلى الله عليه وسلم : لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ، ولبكيتم كثيراً ، ولخرجتم إليّ ، ولما تقاررتم على الفرش . « 3 »
وقالوا : لو أنّ الّذي علم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان من العلوم الّذي انزل عليه وأمر بإبلاغه ، لبلّغهم ذلك ، ولو علم ذلك أصحابه لم يقل : « لو تعلمون » ، ولو علم أنّهم يطيقون ذلك
هامش
( 1 ) . مستدرك الوسائل ، ج 4 ، ص 321 ؛ سنن النسائي ، ج 1 ، ص 102 وج 3 ، ص 249 ؛ مسند أحمد ، ج 1 ، 96 ، وج 6 ، ص 201 . وقد مرّ الحديث في الرقم 221 ، وذيله في 143 .
( 2 ) . سورة العلق ، الآية 19 .
( 3 ) . سنن النسائي ، ج 3 ، ص 133 ؛ سنن الترمذي ، ج 3 ، ص 381 ؛ السنن الكبرى ، ج 7 ، ص 52 ؛ معاني الأخبار ، ص 38 ؛ عوالي اللئالي ، ج 4 ، ص 108 ، مع اختلاف يسير في المصادر .