لعلَّمَهم كسائر العلوم . ولو كان من العلوم المتعارف بين الخلق أيضاً ، لقالوا : علّمنا به وما قال « لو تعلمون ما أعلم » ، لأنّ حقائق رسالته وما خصّه اللَّه به من العلم ، لو وُضعت على الجبال لذابت ، إلّاأنّه كان يظهرها لهم على / 91 / مقاديرهم ؛ لأنّ اللَّه - تعالى ذكره - قال :
« وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً »
. « 1 » وقال صلى الله عليه وسلم : « أنا أعلمكم باللَّه ، لو تعلمون ما أعلم » .
وقد أشار - عليه الصلاة والسلام - إلى معنىً من معاني تخصيصه ، إشارةً لا تدركه العقول ، ولاتصل إليها الفهوم ، ويعجز عنها علوم جميع الخلائق ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : لست كأحدكم ؛ إنّي أظلّ عند ربّي يطعمني ويسقيني . « 2 » فلا يتهيّأ لأحدٍ أن يُخبِر عن الّذي أطعمه وأسقاه ؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم في علوّ مرتبته وما خُصّ به من العلم باللَّه لم يُخبِر عليه ولم يصفه .
319 - وقيل في معنى قول النبيّ صلى الله عليه وسلم في دعواته : اللهمّ اكفلني كفالة الوليد ، وواقيه كواقية الوليد ، لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ، وجّهت وجهي إليك ، وألجأت ظهري إليك ، لا ملجأ ولا منجاً منك إلّاإليك « 3 » .
وما يشبه ذلك من دعواته : إنه صلى الله عليه وسلم أظهر من نفسه صدق اللجاء وإظهار الفقر وصدق الفاقة إليه والاستكانة بين يديه ، بلا مشاهدة حركة من حركاته ، ولا إضافة فعل إلى نفسه .
قال الواسطيّ : وبصدق اللجاء وإظهار الفقر وصدق الفاقة تزيّنت السرائر .
320 - وقيل في معنى قوله صلى الله عليه وسلم عند موته : وا كرباه « 4 » !
قال : اشتدّت المنيّة عليه بمبادرته إلى ما لاحظ عند الموت من المراتب الرفيعة ، فقال : « وا كرباه ! » من النقا فيما بينكم شوقاً منّي إلى اللقا .
321 - قال : وسمعت محمّد بن داود الدينوري يقول : سمعت الجريري يقول : قيل
هامش
( 1 ) . سورة طه ، الآية 114 .
( 2 ) . مسند أحمد ، ج 2 ، ص 257 وص 377 ؛ مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ، ج 3 ، ص 158 .
( 3 ) . قد مرّ صدر الحديث في الرقم 91 .
( 4 ) . قد مرّ في حديث الرقم 92 ، ويرد الحديث في مثير الأحزان ، ص 115 .