تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ميراث حديث شيعه — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
الخلق كلّهم المعاصي من / 89 / جهة الخوف وتَركَه سالم للمحبّة » فإنّ المحبّة يقتضي على المحبّ الموافقة واجتناب المخالفة ؛ فإنّ سالماً من تمام محبّته وموافقته ليس للمخالفة عليه طريق ، فإنّه شديد المحبّة لربّه . وقيل أيضاً فيه : لو لم يكن خاف اللَّه ما عصى مراده وطبعه وشهوته ونفسه . وأقول في هذا الحديث معنى آخر : إنّ محبّة اللَّه تعالى مقرونة بالخوف ، والخوف مقرونٌ بالرجاء ، فيحبّ المحبّ بالحبّ موافقة الحبيب ، وبالخوف يترك مخالفته ، وبالرجاء يحسن ظنّه باللَّه ، فيجري عليه أحكام الجرأة من تأثير برد اليقين من مقام الأمن بتوقّعه الفرح باللَّه إلى منزل الرفاهية ، فيجري عليه بغير اختياره هفوات النفس ، وذلك من اللَّه تعالى عليه زيادة المنّة ، فيندم من ذلك ؛ ويزيد خوفه من اللَّه ، ورجاؤه إلى اللَّه ، ومحبته للَّه . ومعناه : أنّ سالماً قد بلغ غاية الحبّ للَّه ، ومن حبّه للَّه‌يخاف من اللَّه ومن خوفه من اللَّه يريد أن يسلك مسلك العصاة حتّى يزيد خوفه ومحبّته ، من دقيقته أنّ مَن خاف اللَّه تعالى لا يريد أن يعصيه ، لكن اللَّه تعالى يجري عليه حكم الامتحان ؛ ليكثر حزنه وهمومه للَّه‌وفي اللَّه . ومن إشارته صلى الله عليه وسلم في قوله : « لو لم يكن يخاف اللَّه ما عصاه » أنّ مَن لم يبلغ مقام المحبّة المقرونة بالخوف لم يأت منه حقيقة العصيان ؛ لأنّ حقيقة العصيان ما وقع بعد المعرفة باللَّه تعالى ، وما قبل المعرفة لم يكن عند اللَّه بشيء ، لذلك قال تعالى للحواريّين عليهم السلام :
« فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ »
« 1 » . وانظر إلى شأن آدم وجميع الأنبياء عليهم السلام في عصيانهم ، فإنّها قد وقعت بعد العرفان ؛ امتحاناً في العبودية ، وزيادةً في القربة والمعرفة ، قال تعالى :
« ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ »
« 2 »
« وَإِنَّ لَهُ
هامش
( 1 ) . سورة المائدة ، الآية 115 . ( 2 ) . سورة طه ، الآية 120 .