هذا يتأوّل على وجهين : أحدهما أن يكون إشارة إلى معنى التشاكل في الخير والشرّ والصلاح والفساد ؛ فإنّ الخيّر من الناس يحنّ إلى مثله ، والشرير يميل إلى نظيره ومثله ، فالأرواح إنّما يتعارف بضرائب طباعها الّتي جبلت عليها من الخير والشرّ ، فإذا اتّفقت الأشكال تعارفت وتألّفت ، وإذا اختلف تنافرت وتناكرت ، ولذلك صار الإنسان / 109 / يُعرف بقرينه ، ويعتبر حاله بأليفه وصحيبه .
والوجه الآخر أنّه إخبار عن بدو الخلق في حال الغيب ؛ على ما روي في الأخبار .
أنّ اللَّه خلق الأرواح قبل الأجساد « 1 » ، وكانت يتلقى فتشام كما تشام الخيل ، فلمّا التبست بالأجسام تعارف بالذكر الأوّل ، فصار كلٌّ منها إنّما يعرف وينكر على ما سبق ذكره من العهد المتقدّم ، واللَّه أعلم .
364 - وقال في قوله صلى الله عليه وسلم : نحن أولى بالشكّ من إبراهيم إذ قال :
« رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي »
« 2 » ويرحم اللَّه لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد ، ولو لبثتُ في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي . « 3 »
مذهب هذا الحديث التواضع والهضم من النفس ، وليس في قوله : « نحن أحقّ بالشكّ من إبراهيم » اعتراف بالشكّ على نفسه ولا على إبراهيم عليه السلام ؛ ليس « 4 » فيه نفي الشكّ عن كلّ واحد منهما .
يقول : إذا لم أشكّ أنا ولم أرتَب في قدرة اللَّه على إحياء الموتى ، فإنّ إبراهيم أولى أن لا يشكّ فيه ولا يرتاب .
وفيه الإعلام أنّ المسألة من قبل إبراهيم لم تعرض من جهة الشكّ ، لكن من قبل
هامش
( 1 ) . أمالي المفيد ، ص 114 .
( 2 ) . سورة البقرة ، الآية 260 .
( 3 ) . مسند أحمد ، ج 2 ، ص 326 ؛ صحيح مسلم ، ج 1 ، ص 92 ؛ الدر المنثور ، ج 1 ، ص 335 . في كلّها « أحقّ » بدل « أولى » .
( 4 ) . في النسخة كذا ولكن الصحيح « لكن » بدل ليس .