طلب زيادة العلم واستفادة معرفة كيفيّة الإحياء في الوجهين حاصلٌ ، والشكّ مرفوع .
وقد قيل : إنّما طلب الإيمان بذلك حسّاً وعياناً لأنّه فوق ما كان عليه الاستدلال ، والمستدلّ لا يزول عنه الوسواس والخواطر ، وقد قال عليه السلام : ليس الخبر كالمعاينة .
وقوله : [ لو لبثت في السجن طول ] ما لبث يوسف لأجبت الداعي » يريد قوله : « ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسْأَلْهُ » « 1 » فلم يسرع الإجابة إلى الخروج حين أذن له في ذلك ؛ لئلّا يكون سبيله كسبيل المذنب يمنّ عليه بالعفو ، وأراد أن يقيم الحجّة عليهم في حبسهم إيّاه ظلماً .
وأراد - عليه الصلاة - تفضيله بذلك والثناء عليه بحسن الصبر وقوّة العزم ، والتواضع لا يصغر كبيراً ، ولا يضع رفيعاً ، ولا يبطل لذي حقٍّ حقّاً ، ولكنّه يوجب لصاحبه فضلًا ، ويكسبه جمالًا وقدراً .
365 - وقال في قوله صلى الله عليه وسلم : لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خيرٌ من يونس بن متى . « 2 »
يريد : ليس لعبد أن يفضّل نفسه على يونس .
ويحتمل أن يكون أراد : لا ينبغي لأحدٍ أن يفضّلني عليه ، وإنّما خصّ يونس لأنّ اللَّه عز وجل لم يذكره في جملة
« أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ »
، « 3 » وقال :
« وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ »
، « 4 » وقال
« وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى »
« 5 » الآية ، فقصّر به عن مراتب أولو العزم والصبر من الرسل . يقول صلى الله عليه وسلم : إذا لم آذنْ لكم أن تفضّلوني على يونس فلا يجوز لكم أن تفضّلوني على غيره من ذوي / 110 / العزم من أجلّة الأنبياء عليهم السلام ، وهذا منه - عليه الصلاة والسلام - على مذهب التواضع أيضاً والهضم
هامش
( 1 ) . كنز العمال ، ج 11 ، ص 484 ؛ مسند أحمد ، ج 2 ، ص 326 ؛ صحيح البخاري ، ج 4 ، ص 119 ؛ صحيحمسلم ، ج 1 ، ص 92 .
( 2 ) . مسند أحمد ، ج 1 ، ص 342 ، وج 2 ، ص 405 ؛ صحيح البخاري ، ج 4 ، ص 125 ؛ صحيح مسلم ، ج 7 ، ص 103 .
( 3 ) . سورة القلم ، الآية 48 .
( 4 ) . سورة الأحقاف ، الآية 35 .
( 5 ) . سورة الأنبياء ، الآية 87 .