يحتمل أن يكون أراد أنّه جُنّة من النار ووقاية للسخط ويحتمل أن يكون جُنّة من المعاصي ؛ لأنّه يكسر الشهوة ويضعف القوّة ، فيمنع به الصائم عن مواقعة المعاصي ، فصار كأنّه جُنّة وسَترٌ دونها .
360 - وقال في قوله صلى الله عليه وسلم في تمام هذا الحديث : فلا يرفث ولا يجهل فإن امرؤ قاتله أو شاتَمه فليقل إنّي صائم . والّذي نفسي بيده لخلوف فمِ الصائم أطيبُ عنداللَّه من ريح المسك ، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي . الصوم لي ، وأنا أجزي به ، والحسنة بعشر أمثالها . « 1 »
قوله : « فليقل إنّي صائم » يحتمل وجهين : أحدهما أنّه يقول ذلك فيما بينه وبين نفسه ؛ لئلّا تحمله النفس على مجازات الشاتم فيفسد بذلك صومه . والآخر أن يقول :
ذلك بلسانه ؛ ليمتنع الشاتم من شتمه . إذا علم أنّه معتصم بالصوم فلا يؤذيه ولا يجهل عليه . وقوله في « خلوف فم الصائم » ، المعنى في كونه أطيب عنداللَّه من ريح المسك ، الثناء على الصائم والرضا بفعله ؛ لئلّا يمنعه ذلك من المواظبة على الصوم الجالب لخلوف فمه .
وبيان المعنى : كأنّه قال : إنّ خلوف فم الصائم أبلغ في القبول عنداللَّه من ريح المسك عندكم .
وقوله : « الصوم لي ، وأنا أجزي به » ، فيه تفضيل الصوم لما فيه من الإخلاص ، لا يستولي عليه الرياء والسمعة ؛ لأنّه عمل سرٍّ ليس كسائر الأعمال الّتي تطّلع عليها الخلق فلا يؤمن معه الشرك .
وهذا كما روي أنّه قال : نيّة المؤمن خيرٌ من عمله . « 2 » وذلك لأنّ النيّة محلّها القلب فلا يطّلع عليها غير اللَّه . وتقدير هذا الكلام ، أنّ نيّة المؤمن مفقودةً عن العمل خير من عمل
هامش
( 1 ) . مسند أحمد ، ج 2 ، ص 465 ؛ صحيح البخاري ، ج 2 ، ص 226 ؛ كنز العمال ، ج 8 ، ص 447 .
( 2 ) . الكافي ، ج 2 ، ص 84 ؛ تهذيب الأحكام ، ج 4 ، ص 142 ؛ الاستبصار ، ج 2 ، ص 62 ؛ مجمع الزوائد ومنبعالفوائد ، ج 1 ، ص 61 ؛ كنز العمال ، ج 3 ، ص 419 .