وشبه هذا ما رَوى صفوان بن يعلى أخبره أنّ يعلى قال لعمر : أرني النبيّ صلى الله عليه وسلم حين يوحى إليه . قال : بينما النبيّ صلى الله عليه وسلم بالجعرّانه ومعه نفر من أصحابه ؛ إذ جاءه رجل فقال :
يا رسول اللَّه ، كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمّخ بطيب ؟ فسكت عليه الصلاة والسلام ، فجاء الوحي فأشار عمر إلى يعلى ، فجاء يعلى وعلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ثوب قد أخال به ، فأدخل رأسه ، فإذا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم محمّر الوجه وهو يغطُّ ثمّ سرى عنه ، فقال : أين الّذي سأل عن العمرة ، وذكر الحديث .
وهذا شبيه في المعنى لما تقدّم ذكره من صعوبة الأمر عليه في تلقّي الوحي عند وروده [ و ] ضعف القوّة البشرية عن احتماله ، هذا إشارة إلى ما استشعره من الخوف والوجل لوقوع تقصير فيما امر به من حسن ضبطه والشفق من اعتراض خلل دونه .
ذكر أبو سليمان رحمه الله في معنى هذين الحديثين ما يليق بمواجيد الأولياء من بيانه شرح بُرحاء وحي سيّد المرسلين ، ما لحقه من شدّة صلصلة الخطاب ، ورؤية ما يتمثّل له من عالم الغيب وما بان منه من الغطيط واحمرار الوجه من ورود أثقال الوحي عليه ؛ فإنّهم إذا كوشف لهم عالم الجبروت والملكوت غابوا عن إحساس البشرية من وجدان لذّة الخطاب / 105 / والمشاهدة ، فصاروا هايمين تحت سبحات العظمة متحيّرين في وادي الكبرياء من وقوع تجلّي الحقّ في قلوبهم ، فيفوتهم في تلك الأوقات الاضطراب والهيجان والاحمرار والاصفرار والزعقة والشهقة والعبرات والزفرات وهمهمة الأنفاس وازيز الصدور ، وذلك من ضعف بشريّتهم عن حمل وارد أنوار التجلّي ، بقي عليهم سمات المجابين ، حتّى ينفصم عنهم ما يغشاهم من نور القرب وضياء الدنو .
354 - وقال في قوله صلى الله عليه وسلم : إنّ الدين يسر ولن يشادّوا الدينَ إلّاغلبه ، فَسدِّدوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشئ من الدّلجة : « 1 »
هامش
( 1 ) . عوالي اللئالي ، ج 1 ، ص 381 .