ويشكل بأنّ ذلك آت في باب التعديل ، لأنّ الجرح كما تختلف أسبابه ، كذلك التعديل يتبعه في ذلك ، لأّن العدالة تتوقّف على اجتناب الكبائر مثلا ، فربّما لم يعدّ المعدّل بعض الذنوب كبائر ، ولم يقدح عنده فعلها في العدالة ، فزكّى مرتكبه بالعدالة ، وهو فاسق عند الآخر بناء على كونه مرتكبا لكبيرة عنده .
ومن ثمّ ذهب بعضهم إلى اعتبار التفصيل فيهما ، ومن نظر إلى صعوبة التفصيل ونحوه اكتفى بالإطلاق فيهما .
أمّا التفصيل باختلاف الجرح والتعديل في ذلك فليس بذلك الوجه . نعم لو علم اتّفاق مذهب الجارح والمعتبر - بكسر الباء - وهو طالب الجرح والتعديل ، ليعمل بالحديث أو يتركه في الأسباب الموجبة للجرح بأن يكون اجتهاد هما فيما به يحصل الجرح والتعديل واحدا ، أو أحدهما مقلّدا للآخر ، أو كلاهما مقلّدا لمجتهد واحد ، اتّجه الاكتفاء بالإطلاق في الجرح كالعدالة ، وهذا التفصيل هو الأقوى فيهما .
واعلم أنّه يرد على المذهب المشهور من اعتبار التفسير في الجرح إشكال مشهور ، من حيث إنّ اعتماد الناس اليوم في الجرح والتعديل على الكتب المصنّفة فيهما وقلّما يتعرّضون فيها لبيان السبب ، بل يقتصرون على قولهم : فلان ضعيف ونحوه ، فاشتراط بيان السبب يفضي إلى تعطيل ذلك وسدّ باب الجرح في الأغلب .
وأ جيب بأنّ ما أطلقه الجارحون في كتبهم من غير بيان سببه وإن لم يقتض الجرح على مذهب من يعتبر التفسير ، لكن يوجب الريبة القوية في المجروح كذلك ، المفضية إلى ترك الحديث الذي يرويه ، فيتوقّف عن قبول حديثه إلى أن تثبت العدالة أو يثبت زوال موجب الجرح ، ومتى انزاحت عنه تلك الريبة بحثنا عن حاله بحثا أوجب الثقة بعدالته ، فقبلنا روايته - ولم نتوقّف - أو عدمها » 44 انتهى كلامه .
هامش
44 . الرعاية ، ص 194 - 196