وعبّر عنه بعض الأعلام بأنّ الأحكام لا يجوز جعلها متعلّقة للشهادة ، فلا تسمع الشهادة بالحرمة الأبديّة مثلا من غيرذكر السبب من رضاع أو مصاهرة . ويتفرّع عليه أنّه لورتّب الشاهد الشهادة على نفس الأحكام فليس بصحيح ، ولو سلّم فإنّما هو باعتبار ما يتضمّن من الأمور العادية الخارجية التي تستعقب تلك الأحكام .
وبالجملة الشهادة بيان أمر خارجي من حيث إنّه يترتّب عليه حكم شرعيّ ، وهذا المعنى أخصّ من المعنى اللغوي ، وهو معنى عرفيّ . والظاهر أنّ المعنى الاصطلاحيّ كما سمعت آنفا أخصّ من ذلك أيضا . وعلى هذا فلا يبقى لبس بين مصداقي اللفظين بالنظر إلى خصوص المصطلحين ، فلو حكى الراوي فعلا عاديّا عن المعصوم ، فهو باعتبار دلالته على جوازه رواية ، وباعتبار أنّه يترتّب عليه حكم شرعي من الملكيّة والسلطنة واليد فهو شهادة ، وباعتباره في نفسه خارج عنهما داخل في موضوع الرواية بالمعنى اللغوي .
إذا عرفت هذا فاعلم أنّهم بنوا اعتبار التعدّد في المزكّى وعدمه على كون التزكية شهادة أو رواية .
قال الشهيد رحمه الله في شرح البداية : « وفي الاكتفاء بتزكية الواحد العدل في الرواية قول مشهود لنا ولمخالفينا ، كما يكتفى بالواحد في أصل الرواية ، وهذه التزكية فرع الرواية ، فكما لا يعتبر العدد في الأصل ، فكذا في الفرع ، وذهب بعضهم إلى اعتبار الاثنين كما في الجرح والتعديل في الشهادات » 36 انتهى ، فتأمّل .
قال المحقق القمّيّ رحمه الله : « واختلفوا في أنّ الواحد هل يكفي في التزكية أولابدّ من التعدّد على قولين ، وبنى كثير منهم ذلك على أنّ التزكية رواية أو شهادة ، فعلى الأوّل يكفي دون الثاني » 37 .
وقال - بعد ذلك في جملة كلام له - : « فلابدّ حينئذ من ملاحظة أدلّة حجيّة خبر الواحد ، هل تقيّد حجيّة الخبر المصطلح أو مطلق خبر الواحد ؟ وقد عرفت أنّ آيةالنفر 38
هامش
36 . الرعاية ، ص 193
37 . القوانين ، ص 464
38 . التوبة ( 9 ) / 122