يكون هو مسلّطا على الإنسان ، فكذلك الواهمة فإنّها تكون مسلّطة على الإنسان أبدا ولا تكون في تسلّطه أصلا بخلاف سائر الحواسّ فإنّها في تسلّط الإنسان غيرها .
ثمّ إنّ الواهمة لا تخلو عن توهّم الكذب وتوهّم الأشياء المعوجّة ، فنعوذ بالله من غلبة الواهمة . وروي عن النبي ( ص ) قال : « إنّ كلّ شخص ولد من أمّه ولد له شيطان الوهم » 21 فالقوّة الواهمة للإنسان بمنزلة الشيطان لآدم ( ع ) فإن الملائكة كلّهم قد سجدوا لآدم ( ع ) إلّا إبليس ، فكذلك سائر القوى فإنّها كلّها قد أطاعت الإنسان بخلاف الواهمة فإنّها لم تطع له . فعلم من ذلك فعل الواهمة أيضا .
وأمّا المتفكّرة فهي قوة تابعة مرّة للعقل فهي حينئذ تسمّى فاكرة متفكّرة ، ومرّة تابعة للوهم فهي حينئذ تسمّى متخيّلة . ففعلها أنّها تنظر كلّ ما كتب في القوّة الحافظة من الصحيح والفاسد وتميّز بينهما ، وتحكم بصحّة الصحيح في الواقع وفساد الفاسد فيه ، فالمتفكّرة هي القوّة المعبّر عنها بالمتصرّفة مرة أخرى ، لتصرّفها فيما كتب في الحافظة ، كما عرفت . ثمّ إنّ المتفكّرة شأنها إدراك الحقائق وإدراك الواقع ، فإنّها كقارئ يقرأ اللوح المسطور أمامه ولا يفتى غير ما فيه ولا يقرأ إلّا ما كتب فيه ، فلذلك لا يقع فيه الخطأ .
وأمّا الحافظة فهي قوّة تحفظ جميع ما ورد من الأمور الظاهريّة فيها بواسطة الحواسّ الظاهريّة والباطنيّة ، ثمّ إنّ الحافظة إذا ورد إليها صورة شيء أو شخص في المرّة الأولى ومرّ عنها مرور زمان بعيد ، ورئي بعد ذلك ، ذلك الشيء ثانية فتقابله المتفكّرة بما في الحافظة وتلاحظه بالمرّة الأولى فإن طابقها تعرف أنّه ماره بها قبل هذا في المرّة الأولى ، وإن خالفها يعرفه أنّه غيرها . فالقوّة الحافظة بمنزلة اللوح المسطور ، والقوّة الذاكرة المتفكّرة بمنزلة القارئ ، والقوّة المتخيّلة بمنزلة الكاتب ، والقوّة المتوهّمة بمنزلة الشيطان ، والحسّ المشترك بمنزلة البحر الذي أجريت إليه أنهار عديدة وتكون كلّها فيه شيئا واحدا وماء واحدا ، فهو مجمع البحرين وهما بحر الحواسّ الظاهرة وبحر الحواسّ الباطنة ، فله جهة اشتراك بينهما فلذلك سمّي بالحسّ المشترك ، فلاشتراكه بينهما صار مجمع البحرين
هامش
21 . پيدا نشد .