والأوجه الوجه الأوّل . ثمّ إنّ فعل الحسّ المشترك وعمله قد علم من ذلك .
وأمّا الخيال ففعله وعمله في البدن الإنسانيّ فهو أنّ الإنسان إذا أدرك شيئا بحواسّه الظاهريّة ثمّ غاب عنه خيّل صورته في نظره ، مثلا إذا رأى بلدا ثم غاب عنه خيّله في نظره صورته بأنّه كذا وكذا من غير مشاهدته له حينئذ . فالخيال يدرك المعاني والصور بعد رؤيته ومشاهدته أوّلا ذي الصور وغيبته عنه ثانيا ، فالخيال يشبه الكاتب فإنّه يفرّق المعاني عن صورها ، فإنّ المعاني لا تحصل إلّا بالألفاظ فإنّ المتكلّم لو لم يتكلّم بالألفاظ لا تحصل المعاني بدونها ، لأنّ الألفاظ قوالب المعاني والمعاني لا تحصل بدونها ، لكنّ الكاتب يفرّق بينهما أي بين اللفظ والمعنى ، فإنّه إذا كتب كتابا إلى شخص فهو إذا رآه يعلم منه معناه ومقصوده من غير وجود لفظ وصورة وصوت ثمّة ، فكذلك الخيال فهو يصور الشيء ويخيّله من غير وجود هذا الشيء في نظره خارجا . ثمّ إنّ الخيال فعله على ما ذكر مشروحا برؤية الشيء أوّلا ثمّ خياله ثانيا ، ففعله حينئذ موقوف بإدراك الشيء بإحدى الحواسّ أوّلا ليخيّله بعد غيبته عنه ثانيا . ثمّ إنّ الخيال له معنى آخر وهو أنّه قد يتخيل عنده شيئا غير مرئيّ له أو لغيره ، كتخيّله إنسانا له ثلاثة رؤوس وعلى رأسه قرون ، أو يخيّل أن يكون سلطانا عظيم الشأن ، أو غير ذلك من الخيالات الباطلة ، فعلم من ذلك فعل الخيال وعمله أيضا .
وأمّا الواهمة فعمله وفعله فهو أنّه يتصور في نفسه أمورا وهميّة لا أصليّة مرئيّة أو غير مرئيّة صادقة أو كاذبة ، وسواه كان لها وجود في الخارج أم لا ، فإنّ الإنسان قد يتوهّم في وقت ليلا أو نهارا أن يخرج عليه رجل في يده سيف يريد أن يقتله أو يريد أن ينهب أموال بيته ، فإنّه حينئذ قد يخاف ويهرب عن مكانه الذي جلس فيه ، فإنّه قد نقل ذلك عن بعض المتوهّمين ، وغير ذلك من التوهّمات الباطلة التي يتوهّمها المتوهّم عند نفسه ، كتوهّم الإنسان ألف شمس في السماء أو ألف قمر فيه أو ألف بحر من الزنبق أو ألف جبال من ياقوت أو زبرجد أو فيروزج .
ثمّ إنّ الواهمة في الحيوانات بمنزلة العقل فإنّها بها إدراكها ، فإنّ أولاد الشاة تجد بين ألف شاة أمّهاتها بها وتدرك عدوان السبع ومحبّة الراعي بهذه القوّة . ثمّ إنّ القوّة الواهمة في الإنسان قد عبّر عنها بعصا الشيطان فكما أنّ الشيطان لا يكون في تسلّط الإنسان بل
ميراث حديث شيعه — صفحة 165
مساهمون: مهدى مهريزى
ص١٦٥