مبتداء أمره وأوائل رياسته فيها ، فلمّا استقرّ جلالة السلطان في معسكره فيها خارج باب وادي السلام ، أراد زيارة المترجم أيضاً فكان يهوي قدومه إليه في معسكره ، فكلّما عرض على المترجم ذلك وأصرّوا به بليغ الاصرار وأرسل إلى حضرته من ملازمي بلاطه ووزرائه حتّى وزير الأمور الخارجة بشخصه ، امتنع المترجم عن قبوله مستخفضاً لنفسه عن الحضور في مجلس السلطنة ، حتّى انتهى الأمر منهم بتهديده وتوعيده بلسان النصح واللين ؛ ولكن لم يفد شيء منها إلّا شديد التحرز والامتناع ، حتّى وقع التسالم بينهما بزيارة الملك له في الحضرة المقدسة العلوية ، فتشرف المترجم بالحضرة الشريفة ، حتّى طليعة الفجر ، الذي كان من عادة جلالة السلطان التشرف إليها في طلوع الفجر مدة توقفه فيها - ثلاثة أيام - واستقر في سمت الرأس من الضريح بعد فراغه من الزيارة مشتغلًا بتلاوة القرآن بلا التقات إلى غيره بوجه .
حتّى تشرف إليها السلطان في وقته المعهود ومعه ملتزمي ركابه على عادته ، فكان اذن يطيل زيارته ومكثه ، متوقعاً باقبال المترجم إليه ؛ ولكن المترجم ما كان يتوجه إلى غير تلاوته قطّ ، كأنّ في الحرم الشريف ليس غيره أحد ، حتّى التجأ بعض الوزراء الحاضر عنده أن يعلنه بتشرف السلطان إلى الحضرة المقدسة ، فلم يتغير حاله أيضاً ، حتّى فرغ جلالة الملك من زيارته وتوجه إلى المترجم ، حتّى قرب من مجلسه وسلّم عليه فتوجه إليه المترجم وقتئذٍ وقام على وجهه بخضوع كامل فإذا أراد جلالة السلطان أن يتكلم معه بعد ما وقع من الطرفين من حسن التلاقي وأداء الرسوم المتعارفة ، امتنع المترجم معتذراً بان هذا المكان ليس إلّا مقام الدعاء والمناجاة والعبادة ؛ بل الأولى أن نخرج من الحضرة الشريفة ونجلس في الرواق ونتكلم فيه .
وإذا صار البناء على الخروج منها لم يتقدم جلالة الملك على المترجم في الخروج من الباب ، فتوجه السلطان إلى غيرما توجه إليه المترجم من الباب وكان المترجم يقول لا يكاد ينقضي تأسفي إلى آخر عمرى بأنّى نسيتُ حين الخروج من باب الحرم أن أقبلّ العتبة المقدسة ، فلم يقبّلها جلالة الملك أيضاً وكان يقول : إنّ ذلك هو من ضايعات عمري وأيام حياتي .
مرآة الشرق ( موسوعة أعلام الشيعة الإمامية في القرني الثالث عشر والرابع عشر ) — صفحة 501
مساهمون: محمد أمين الإمامي الخوئي
ص٥٠١