الحرب العام في اروبا ، طلعت تلك الفتنة المظلمة العمياء من أفق مدنيّة الغرب في سنة 1331 المطابق لسنة 1914 الميلادي في أروبا ، ثمّ ساقه سائق التقدير أو أيادي السياسة من الغرب إلى الشرق ، فكان للشرق منها سهمه الأوفى وحصة كاملة ، فتعقب بسدّ الطرق واختلال النظام العام من حيثُ الأمن والمعاش جميعاً ، فاضطر المترجم وقتئذٍ بالمهاجرة من دار الهجرة سامراء إلى مشهد الكاظمين عليهما السلام ومعه حاشيته الكريمة ، يضيق الأمر فيها عليهم من جميع الشؤون ، ثمّ انتقل منها إلى الحائر الشريف الحسيني بعد مدة .
حتى نودي فيها بالرحيل وتوفّى عن سن نيّف وثمانين تخميناً في ليله الأربعاء ثالث شهر ذىالحجة الحرام مختتم سنة 1338 ، ودفن في بعض الحجرات الشرقية من الصحن الشريف الحسيني ، قريباً من باب قاضي الحاجات ، وتربته هي المزار العام فيها لكلّ وارد وصادر ، ثمّ قام بعمران تربته الشريفة وتزيينها وتنويرها الحكومة العراقيّة العربيّة ، تقديراً لمساعيه الجميلة المعظمة ومجاهداته البليغة واداءً لبعض حقه في تأسيس الدولة العربيّة .
وكان المغفور له لما كان عليه من القدس والورع والنصح ، يتخاضع عنه أهل السنة والجماعة واليهود والنصارى ، فضلًا عن طبقات الشيعة وجماعتهم .
وقد ساس وقاد المغفور له الأمة العراقيّة في نهضتهم على حكومة بريطانيا الكبيرة سنة 1337 ، قيادة شهامة واستقامة وثبات وحصافة وحسن التدبير والسياسة ، وقام على زعامتهم حقّ زعامته وأحسنها ، وجاهد فيهم بلسانه وقلمه وقلبه وروحه بالنفس القوي الإلهي الملكوتي إلى آخر حين من حياته ، حتّى قام ناعيه على سريره .
وكان رَحِمَهُ اللَّه يبذل في سبيل تلك النهضة الدينيّة المليّة ، قسمة معظمة مما يُجبى إليه من بيتالمال وما كان تأخذه في اللَّه لومة لائم ، حتّى ألقى القبض من طرف حكومة بريطانيا الكبيرة ( الحكومة الفاتح ) في كربلا ، على ابنه الأرشد ميرزا محمّدرضا الشيرازي ، الذي كان مجرى أفكار والده المترجم في النهضة العامة والجاهد في تشييد مبانيها فاسّر وسافره إلى جزيرة ( سمرپور ) من بلاد هندوستان ومعه جمع من الإيرانيين من المداخلين في الثورة العراقية ولكن لم يحدث بذلك أدنى فتور في عزائمه الراسخة وروحه القوي الإلهي ولاتزلزل في مجاهداته وسياسته الدينيّة ومساعيه الجميلة .
مرآة الشرق ( موسوعة أعلام الشيعة الإمامية في القرني الثالث عشر والرابع عشر ) — صفحة 345
مساهمون: محمد أمين الإمامي الخوئي
ص٣٤٥