وممّا يؤيّد الاحتمال الأخير أن في سورة الأنبياء جعل الهداية التكوينية من آثار الإمامة ، حيث قال عزّ من قائل :
وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا
« 1 » فإنّ الهداية في هذه الآية ليست من قبيل إراءة الطريق وإيضاح الهدف لإتمام الحجّة كما هو شأن النبيّ المنذر ، وذلك لأنّ الأمر هو قوله تعالى كن الذي لا يتخلّف عنه وجود المأمور ، فالهداية بالمر هداية موصلة إلى المطلوب لا تتخلّف عنه ، فهي أمر فوق النبوّة ومقتضياتها التشريعية ، ومن هنا نفهم أنّ من خصائص الإمامة الهداية التكوينية ، التي تعني إيصال النفوس المستعدّة إلى الهداية التي تنشدها ، وأنّ الأئمة وسائط تؤثر أثرها في النفوس بأمر اللّه سبحانه ، كما هو عمل الملائكة الذي يكون بأمره تعالى ، يقول سبحانه :
وهم بأمره يعملون
« 2 » .
وبتعبير آخر : أنّ مقام الإمامة مقام ظاهره التشريع وباطنه التكوين ، بمعنى أنّ ظاهر الآية الشريفة : أئمة يهدون بأمرنا هو إثبات مقام تشريعي للإمام يستلزم أن يكون قوله وفعله وتقريره حجة مطلقا على الخلق ، وباطنها إثبات مقام تكويني للإمام ، ومن خواص هذا المقام التكويني جريان الهداية الإلهية على يديه ، ولا يوجد أيّ تناف بين المعنيين التشريعي والتكويني ، لأنّهما مترتّبان طوليان ، أي أحدهما يقصد ويراد بعد الآخر ، كما هو الشأن في استفادة المعاني من الآيات وبطونها المتعدّدة ذات الوجوه المتنوّعة التي لا يؤدّي الأخذ
هامش
- فإذا كان إبراهيم عليه السّلام قد أعطي فإنّ نبيّنا صلّى اللّه عليه واله قد أعطي مثلها وزيادة ، فلا يمكن أن يكون الأئمة برتبة أفضل من النبيّ صلّى اللّه عليه واله . « معدّ الكتاب » .
( 1 ) الأنبياء : 73 .
( 2 ) الأنبياء : 27 .