والخامس : وهو أن تكون الإمامة مقاما تكوينيا فوق النبوّة ، ومعنى المقام التشريعي المذكور وجوب اتّباع النبيّ في جميع أقواله وأفعاله ، ذلك أنّ النبوّة والرسالة لا تتطلبان في ذاتهما الاقتداء بالنبيّ والرسول في جميع الحركات والأعمال ، وغاية ما تفرضانه هي الطاعة والاستماع لما يبلّغ للناس من دعوة ورسالة ، اللهمّ إلّا أن يأتي دليل آخر غير الدليل الدالّ على النبوّة أو الرسالة فيدل على وجوب الاتّباع العملي ، مثل قوله تعالى :
وما أرسلنا من رسول إلّا ليطاع بإذن اللّه
« 1 » . وقوله تعالى :
لقد كان لكم في رسول اللّه أسوة حسنة
« 2 » فدليل النبوّة يثبت وجوب امتثال بلاغات النبوّة وأوامرها ، ولا يتعدّى إلى وجوب متابعة النبيّ في كلّ أفعاله وأقواله ، وهذا الوجوب الثاني يحتاج إلى أدلة خاصّة ومقام خاص وهو مقام الإمامة ، وحينئذ فالآيات الدالّة على لزوم طاعة النبي صلّى اللّه عليه واله تكون دالّة في الوقت نفسه على حيازته على مقام الإمامة .
والإمامة التكوينية تعني أن الإمام واسطة لإيصال الهداية لمن هو أهل لها ، فهناك هداية تشريعية موجّهة للمؤمن والكافر معا ، وهناك هداية تكوينية يختصّ بها المؤمن ويكون الإمام واسطة في إيصالها إليه .
وقد تبيّن أخيرا أنّ أمر الإمامة يدور بين أن تكون مقاما تشريعيا فقط ، أو مقاما تكوينيا بعد الفراغ من كونها مقاما فوق النبوّة « 3 » .
هامش
( 1 ) النساء : 64 .
( 2 ) الأحزاب : 21 .
( 3 ) إنّ كون الإمامة مقاما فوق النبوّة لا يلزم منه أفضلية الأئمة عليهم السّلام على الرسول محمّد صلّى اللّه عليه واله ، لثبوت أنّ الرسول صلّى اللّه عليه واله سيّد الخلق وأشرف الأنبياء والرسل ، وما حاز نبيّ مقاما إلّا وحاز الرسول صلّى اللّه عليه واله ما هو أعلى منه ، -