عيناه في عالم الفتون . والجاهل هو الذي لا يعرف ذلك ، الجاهل هو المحروم من نعمة الخيال الوثاب الذي يمثل ما نأى وما بعد وكأنه مشاهد ملموس ، والشعراء بهذه المنحة الربانية يتمتعون بالمحاسن في صور مختلفات ويشهدون المنظر الفاتن ألوف المرات ، على حين لا يراه الجاهل غير مرة واحدة ، إن كان الجاهل يدرك ما يراه ، وأكثر أهل الأرض جهلاء ، وإن ظفروا بأعظم الألقاب ، وعلى اللَّه رزق الدواب .
ويحدثنا الشاعر عن وعد العيون ، وللعيون وعود .
فهل يسمح الشريف بأن نعترض على ما نسبه إلى محبوبته من خلف الوعد هل يصدقنا الشريف إذا حكمنا بأن العيون عالم منفصل عن عالم القلوب هل يصدقنا الشريف إذا جزمنا بأن العين تعد وتخلف ، وتبرم وتنقض ، في غيبة القلب إن الناس يظنون منذ ألوف السنين ان العيون رسل القلوب ، فليعرفوا منذ اليوم أن العين خلق عجيب لا يعرف أسراره غير علام الغيوب .
ولعل الشريف فطن إلى ذلك حين استدرك فقال :
يا قرب ما كذبت عينيّ عيناك
وحين قال :
كأن طرفك يوم الجزع يخبرنا * بما طوى عنك من أسماء قتلاك
فهو يرى للعيون أعمالا يجهلها أهل العيون . والأمر واللَّه كذلك ، ولكن أكثر الناس لا يفقهون .
عبقرية الشريف الرضي — صفحة 138
مساهمون: زكي مبارك
ص١٣٨