ثمّ - بعد استيفاء الغرض من تصوير تلك الحالة الهائلة والكشف عن غاية قبحها وشناعتها وأنّها معبودات باطلة - أوصلَ القول بذكر المعبود بالحقّ ، وجهلهم به ، وتقصيرهم في طاعته ، وقصورهم عن تعظيمه ومعرفته كما هو واجب حقّه وعلى ما ينبغي من عظيم شأنه ، فقال ( جلّت عظمته وعلت كلمته ) :
« وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ »
.
ونظراً إلى إلصاقها بالكلام الأوّل وشدّة ارتباطها به لم يفصل بينها وبينه حتّى بحرف العطف ؛ لتظهر المقابلة وتبين المباينة ، ويتّضح الفرق ويتجلّى الحقّ .
وحيث كان الشأن والغرض المقصود بالبيان هو إظهار عجز تلك المعبودات من دونه ( تعالى ) وضعفها وضِعتها ناسب أن يجعل ختام الكلام بذكر تأكيد القوّة والعزّة له واختصاصهما به ؛ لتجمع بين حسن الابتداء وحسن الختام ، فقال ( عزّت عظمته وعظمت عزّته ) :
« إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ »
.
عزّت اللهمّ آلاؤك وعظمت نعماؤك ، أُثني عليك ممجّداً وأمجّدك موحّداً ، وأُوحّدك بالعبودية وأعبدك بالوحدانية .
وأنا ، وما أنا ؟ ! بل جميع الفصحاء والبلغاء وأئمّة الكلام جباهنا في السجود لآياتك موضع الأقدام اعترافاً وإذعاناً وإيماناً وإيقاناً .
إلى غير ذلك من عظيم مزاياها ، وعلى ما ذكرناه فقس ما سواها .
وقد أعجزنا استيفاء خواصّها ولطائفها ، ومعجز بلاغتها وفصاحتها .
وذاك - يا ابن ودّي - ما لعلّك سمعته من الأمر الذي هو فوق طوق البشر ووراء طور العقل .
وما أكثر أمثال هذه الآية من معجز آياته وزُبر بيّناته ممّا لا يتّسع لعدّه وسعي وفراغي ولا يبلغ أدناه أقصى جهدي وبلاغي .